
لا أدري ماذا يدور في مطابخ السياسة حول طبخة إنتخاب رئيس للجمهورية، ولا أجرؤ على التنبؤ بالأسماء التي يجري تداولها وتسويقها في الغرف السوداء التي يبدو ما زالت مرتبطة أو تحت تأثير الماضي القريب حيث كان يُفرَض التوافق في الخارج القريب وتسويقه في الخارج البعيد لو اضطر الأمر، من خلال حملات إعلامية رأيناها قبل إنتخاب الرئيس الأسبق إميل لحود.
ولكن، لأنّ بعض الألسن بدأت تعلك وتلوك بالمواربة وبعضها الآخر بالعموميات، بعض البديهيات لا بدّ من لفت النظر إليها وتوضيحها…
أولاً، الحفاظ على الجمهورية هو بقدسية الدفاع عن الرئاسة، ويأتي هنا تشريع الضرورة الذي لا يهرب منه الضنين على الجمهورية، فخسارة سمعة لبنان المالية لن تعيدها عملية إنتخاب رئيس، بل ستحتاج لسنوات من العمل الشاق ورفع الفوائد حتى يعود تصنيف لبنان إلى ما كان عليه وتجنّب إفلاس الجمهورية التي تعاني من إفلاس سياسي وأخلاقي أخطر من الإفلاس المالي، ولكن تبقى “القوات اللبنانية” خط الدفاع الأول عن لبنان في السياسة ولو تلقّت أسهم الغدر في الظهر والصدر.
ثانياً، الخوف من الفراغ يكون قبل الوقوع فيه، أمّا بعد الوقوع فيه فالمطلوب معالجته لا الخوف منه، والمعالجة تتطلّب رئيساً مؤسساتياً، رئيساً دفع ثمن إيمانه وسَيْره بإتفاق الطائف الذي ما كان ليصبح دستوراً لولا وقوف الدكتور سمير جعجع إلى يمين الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، ولأنّ الحكيم يعلم جيداً مفاصل “الطائف” ونقاط القوة والضعف فيه، فهو الأفضل في تبوء مركز الرئاسة ونقل لبنان الكبير إلى مئويته الثانية…
نعم، لبنان يريد رئيساً قوياً، عادلاً، حازماً، طائفي الهوية والهوى (نسبة إلى الطائف)، يدرك مكمن القوة في صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني، لا يتدخّل في تسمية رئيس الحكومة ولكنه لا يساوم في صلاحيته في التأليف، لا يتردّد في استدعاء أي مرشّح لأي وظيفة قبل الموافقة عليه… إلى ما هنالك من صلاحيات وتفاهمات، حتى إستقامة العمل بالدستور وإصلاح الثغرات التي قد تسمح لأي كان أنّ يصل بلبنان إلى الشغور كل ست سنوات، أو إلى تأخير تشكيل حكومة كرمى لعيون فلان، أو إقفال المجلس النيابي لأي سبب…
إنّ “القوات اللبنانية” ستبقى تتعاطى مع الواقع عندما يكون ذلك خدمة للجمهورية ولا بأس أن يتلطّى خلفها بعضهم، فهي بقيت خارج الحكومة عندما رأت في ذلك ضرراً للبنان، ورئيسها مستعدّ للوصول إلى توافق في رئاسة الجمهورية، ولطالما أثبتت أنّها لا تبادل المبادئ بالمناصب ولا تتهرّب من واجباتها سواء كانت في الحكم أم خارجه، وهي في ذلك مثال العمل السياسي الراقي الذي يجب أنّ يكون!
