اختلفت الأزمنة والتواريخ، والأمكنة والمواقع، لكن الهدف بقي هو هو، الفكر الحرّ. أضداد في السّطوح، وتلتقي في الأعماق.
تأسّست حركة “طالبان” لوقف المدّ السوفياتي في ثمانينيّات وتسعينيّات القرن المنصرم، ذهب الاتّحاد السّوفياتي مع أدراج الرّيح وبقيت “طالبان”، والأكثر أعادت رصف صفوفها لتتحوّل إلى قاعدة بغية محاربة مدّ الغرب؛ والهدف نفسه كبح الحريّة.
انتقلت النّيران إلى الشّرق الأوسط وتحديداً الى سورية، فحذا الرّئيس السّوري حذو الغرب في تصرّفه مع حالة الاتّحاد السوفياتي، فأخرج مَن أخرج مِن سجونه ليساهم مع مَن وفد مِن إرهابيّي الغرب؛ فكانت “داعش” و”النّصرة” اللتان فسّرتا مفاهيم الحرّيّة من منظورهما الضيّق، وكان ما كان من ممارسات على الأرض إلى أن أصبحا أقوى ممّا تبقى من دولة عند الأسد، فبات اليوم يحارب الارهاب بإرهابه ليجد ذريعة مع الغرب لبقائه في الحكم. لكن الغرب كان واضحاً وصريحاً بلسان الرّئيس الأميركيّ، الذي هلّل لقدومه الأسد شخصيًّا، بأنّ الارهاب لا يحارب بإرهاب النّظام. و”خراسان” و”النصرة” يحذوان حذو البقيّة، وهلمّ جرّ…
يجوز النّظر إلى الحرّيّة كضالّة منشودة يسعى إليها كلّ البشر، لكن الذي لا يجوز أن تمارس بحقّ الحريّة ممارسات تبيد الانسانيّة وتكبّلها بعبوديّة جديدة، قد تتجسّد بنظامِ وصاية من هنا، أو بحكم ديكتاتوريّ توتاليتاريّ من هناك.
في هذه الحالة، المستعبد صار يسعى إلى حريّته، ويرهق دمه ليحصل ولو على حبّة منها، والحرّ الموجود في لبنان بات يتنازل عن حريّته أكثر، لمصلحة نظام مستبدٍّ، فيذهب بعديده وعتاده ليشارك في حرب الآخرين على أرضهم، أو حتّى أصبحنا نجد في لبنان من يجاهر بذمّيّته المبطّنة لمصالح حليف استعبده واستأثر بحريّة قراره. وبعد، أبعد من ذلك يطالب في العلن ما يطالبه حليفه في مجالسه الخاصة بالسرّ. فالحريّة والعبوديّة ضدّان، في السّطوح ويلتقيان في الأعماق.
يخيفون المسيحيّين من المدّ الأصوليّ – الارهابي ويوزّعون أسلحة عليهم، لا تكاد أعدادها تتجاوز قطرات مياه أمطار تمّوز، إن أمطر تمّوز. ويحضونهم على الانضواء في ما سمّوه “سرايا المقاومة” سواء في جزّين أو المتن أو حتّى كسروان وجبيل، لدرء الخطر القائم. وأبعد من ذلك، يحشرون الجيش الوطني في ما تسبّبته أيديهم، في محاولة منهم لتخفيف الضّغط على جمهورهم الذي يرزح تحت نير الجثث القادمة من وراء الحدود تحت راية الواجب الجهاديّ، أو حتّى في محاولة منهم ولو بطريقة غير مباشرة بإراحة، أسيادهم في الشام وطهران من مجابهة هذه العصابات المجرمة التي تبعد عن الانسانيّة بقدر ما ابتعدوا هم أساسًا عنها.
حرب في السّطوح واتّفاق وهدنة في الأعماق، النّظام يشتري النّفط من داعش في الأعماق، ويدكّ معاقل الجيش الحرّ في السّطوح بأشنع أنواع الأسلحة والبراميل المتفجّرة التي تسقط على الأبرياء، مستثنياً توجيه أي ضربة للتّنظيمات التي كان أساساً في إنتاجها.
إرهاب الجماعات الأصوليّة وإرهاب النّظام، ضدّان في السّطوح ويلتقيان في الأعماق. الهدف واحد بالنّسبة إليهما: تكبيل الحريّة وكبح مدّ الفكر الغربيّ الحرّ، ليس إلا لأنّه يحرّر الشّعوب ويسمح لها بتقرير مصيرها.
ينادون بأنّهم يريدون رئيساً للجمهوريّة قويًّا يجسّد تطلّعات كلّ اللبنانيين، وعلى وجه أدقّ، تطلّعات المسيحيّين، هذا في السّطوح. أمّا في الأعماق، فيمعنون ويمتهنون الاجتهادات الدّستوريّة التّعطيليّة، ليعطّلوا انتخاب الرّئيس المسيحيّ القويّ. والأكثر بعد، يدفعون بمن بايعوه عباءة حلفهم، ومنّوا عليه بحمايته وجماعته، ليعلن أنّه غير مرشّح في السّطوح، أمّا في الأعماق، فيلتقيان معاً على تعطيل الدّولة وشلّ ما تبقّى منها من مؤسّسات دستوريّة، ليفرضوا عقداً اجتماعيّاً جديداً على كلّ اللبنانيّين، قد يكون هذا الحليف أوّل ضحاياه.
التّعطيل بديكتاتوريّة الدّستور، والانتخاب بديمقراطيّة من الشّعب ضدّان في السّطوح ويلتقيان على هدف واحد في الأعماق.
يبقى أن يعرف الغرب، ومن معه من سلطات دينيّة، تنطلق من بكركي ولا تنتهي في الفاتيكان، أنّ أضداد المعادلة على لبنان تختلف في السطوح وتلتقي في الأعماق.
فهل يؤثر المسيحيّون خطر المبايعة والسّكوت عن انتخاب رئيس الجمهوريّة الا ذلك الذي يخدم مصالح الاقليم الفارسيّ؟ أم أنّهم لا يؤثرون ما تقترفه أيديهم من فظاعة بحقّ أنفسهم أوّلا، وبحقّ الوطن، كلّ الوطن ثانيًا؟ تمامًا كما أنّ الغرب لم يؤثر مخاطر الحركات المتشدّدة الا عندما ضربته في عقر داره، هكذا مسيحيّو الشرق لم يؤثروا مخاطر انضوائهم تحت ألوية الأنظمة المستبدّة الا عندما ذبحتهم هذه الأنظمة، بواسطة أحدث انتاجاتها من الحركات الارهابيّة.
يبقى أن نؤثر نحن، أنّ الخطر الدّاهم على وطننا يبقى في تفريغه من مفهوم الدّولة في الأعماق أمّا في السّطوح فنترك الدّولة فيه مقوّضة ومغلولة الأيدي والأرجل لا تقوى على الحراك حتّى ضمن حدودها الجغرافيّة. ومتى أشحنا بنظرنا عن هذا الخطر… تلتقي كلّ السّطوح مع كلّ الأعماق على حساب مصلحة لبنان الوطن ولبنان الدّولة، وعندها لن نترك الغاصبين ليحقّقوا ما لم تسمح لهم بكركي في تحقيقه منذ قرابة المئة عام، ولن نموت الا واقفين، ومن له أذنان سامعتان فليسمع.