
يتسلّق الدولة المتآكلة زرافة من المتسلّطين الذين حمل أداؤهم لحظةً فارقة في تاريخ لبنان، لأنّه ينطوي على تحوّل مُنذِر بالإبتعاد عن جادة مدنيّة الحكم، ليدخل البلد في تشابكيّة السّياق الإقليمي بكلّ تعقيداته وعدم وضوح نهاياته. إنّ هذا المدّ الذي أرغم الديمقراطيّة على التراجع، يشكّل خطراً داهماً على جوهر النّظام السياسي السائد عندنا، كما على أسس العلاقات المجتمعيّة داخل بنية الوطن.
ويعمد المتسلّطون المتسلّحون بفائض القوة، الى “نشل” الدولة بطريقة نمطيّة شديدة التبلور. وما كانوا لينجحوا بانقلابهم السّافر الذي لم يعد صامتاً أو عفويّاً، لولا ترهّل الدولة والذي يأذن بسحقها، ولولا بعض الأغبياء من السّاسة الموهومين والذين باعوا كراماتهم بحفنة من الوعود. ومفهوم النشل هنا، لا يعني حشد شعارات ترفض الوضع القائم وتهيّئ لبديله، شأن الإنتفاضات الإصلاحيّة التي عرفها الكثير من الدّول، بل هو السبي الكامل للوطن بكيانيّته وهويّته، وهدم التناغم بين مكوّناته، وهزّ صورة مؤسّساته، كلّ ذلك لفرض إستعمار جديد، أبوه الرّوحي هو المشروع الصّفويّ المستورد من بلاد الفرس.
إنّ الطرح القديم الجديد للمؤتمر التأسيسي من جانب “حزب الله”، ليس أقلّ من تخطيط بحنكة. فالجدول الذي أعدّه الحزب، ويقوم بتنفيذه تدريجيّاً ومن دون تسرّع، تنضج مندرجاته بحكم اللاّتماثل بين شرائح الوطن، وتحت وطأة المستجدّات السياسية والأمنيّة الإقليميّة التي استدرج الحزب تداعياتها المقلقة الى داخل الوطن، وبواقع الإحساس بفرط القوّة من طرفٍ واحد، يقابله صقيع فتيل الإنفجار لدى الطّرف المقابل المُحتَقِن الذي لطالما صنّف نفسه “أمّ الصبي”.
من هنا، يعتبر الحزب أن ليس عليه أن يبذل المزيد من الهمّة لإقناع حلفائه بطرحه، أو إرغام خصومه على تقبّل هذا الطرح، إذ يكفيه التحجّج بتذمّر كلّ الفئات، ومن دون استثناء، من النّظام الأعور القائم. ولطالما حض هذا التذمّر كلّ الفئات على حتميّة البحث عن خلاص يدّعي “حزب الله” أنّه يملكه، أو هكذا يَتَوَهَّم. فالآخرون منقسمون بين مَن يهاب التّغيير خوفاً من البديل الذي يمكن ألاّ يكون مضبوطاً، وبالتالي يجرّ الويلات على الكيان والمصير، وبين مَن يهلّل له إعتباطيّاً وبلا مراجعة، لأنّه صنيعة الحليف المُسلَّح ومن ضلعه.
أمّا التّلاعب في إستراتيجيّة المشروع، على مستوى تمويه الأهداف الحقيقية بمطالب شعبيّة بالعدالة والمساواة والدولة المتمكّنة، وبإشاعة أنّ القوى الشرعيّة عاجزة عن حماية لبنان من إسرائيل ومن المنظمات الإرهابية، فقد حوّل المُتَلاعِب الى مجرّد دكّان سياسي يزعم أنّه يساير حراك الناس لنيل حقوقهم من جهة، ولتأمين حمايتهم من جهة ثانية. لكنّ الحزب في الحقيقة يستبطن مشروعاً عنصريّاً يتستّر بالدّين ويتمدّد بمختلف الوسائل، ولا سيّما بتصدير الثورة و بالغزو المالي النّاعم، رامياً الى إعادة إحياء إمبراطوريّة الفرس والسيطرة على بلاد العرب ومقدّراتها. ولمّا كان لبنان، وجه المتوسّط الإيراني، قطراً مُستهدفاً مشمولاً بالإستراتيجيّة الإيرانيّة، وضعَ “حزب الله”، وهو ذراع إيران الباسلة في لبنان لا بل إيران في لبنان، خارطة طريق مُمَنهجة تهدف الى تقويض أركان الدولة وخلخلة التركيبة الدّاخليّة وتفريغ المؤسسات الشرعية، تسهيلاً للإختراق واجتياح مفاصل الدولة وسرقة سلطتها، ما يحوّل لبنان الدولة والوطن جثّة متكلّسة جاهزة لإعادة تدويرها، ولكن بتركيبة مختلفة.
إنّ نغمة المؤتمر التأسيسي الذي تكرّرت الإشارة إليه، ليس سوى محاولة مشبوهة لإمساك “حزب الله” بلبنان ، من باب العزف على وتر الهواجس، ولا سيّما هاجس الإرهاب، وكلّ ذلك تحت عنوان إنقاذ لبنان وانتشال هممّا يتخبّط به. ويبقى السؤال: مَن ينقذ لبنان من “نشّاليه”؟