#adsense

معركة الكرنتينا

حجم الخط

“المقاومة اللبنانية” تاريخ نضال وشهداء، انها الصخرة التي ابقت اللبنانيين احراراً في وطن مزقته الحروب ومنعت عنهم التهجير الابدي، ولولا هذه المقاومة لما كنت هنا اكتب تاريخاً للعبرة وليس لنبش القبور انما حفاظاً على وطناً لنا جميعاً ودرساً بأن أحداً لم يستطع الغاء الأخر مهما بلغ من قوة وغطرسة.

ادرك الفلسطينيون وانصارهم ان اولئك الشبان الاقوياء الأبطال الذين يتدفقون من قرى الجبل وينضمون الى احزاب المقاومة اللبنانية، هم السبب في فشل خطتهم في التمدد نحو المناطق الشرقية واحتلالها، فرأوا أن يقطعوا الطريق بين الجبل وبيروت.

نفذوا خطتهم فوراً فقطعوا الطريق في محلة الكرنتينا حيث تمركزت قوات كبيرة من الفلسطنيين والغرباء في احياء وشوارع وحتى في بيوت الاكراد في تلك المنطقة وراحوا يقنصون ويقتلون ويخطفون كل من يمر على الأوتوستراد في تلك المحلة، واستطاعوا ان يقتلوا ويذبحوا و يخطفوا عدداً  كبيراً من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ الذين كانوا يجتازون الأوتوستراد في محلة الكرنتينا وهم في طريقهم من جونية وجبيل والبترون وقرى كسروان والمتن الى بيروت، كما استطاعوا ان يدمروا سيارات عدة كانت تجتاز الأوتوستراد.

هذا التطور الميداني، دفع اركان المقاومة اللبنانية الى عقد مجلس حربي بحثوا فيه الأمر واتخذوا قراراً بتحرير منطقة الكرنتينا. القرار كان مذهلاً، بل كان مغامرة كبيرة، بل لأن منطقة الكرنتينا بكاملها كانت معقلاً حصيناً للفلسطنيين والغرباء وكانت مستودعاً كبيراً للأسلحة والذخائر وكان من الصعب تحرير تلك المنطقة من أعداء لبنان. هذا كله في أواخر كانون الأول من عام 1975 حيث بدأت المقاومة اللبنانية تضع الخطة الحربية لاقتحام الكرنتينا.

قيل إن بعض السياسيين نصحوا القادة العسكريين بعدم الاقدام على هذه المغامرة المجهولة النتائج، مغامرة اقتحام الكرنتينا والإصطدام مع الفلسطنيين والغرباء الذين يتمركزون هناك، وقدر عددهم بحوالى خمسة الآف مسلح ما عدا سكان الكرنتينا الاكراد الذين كانوا ايضاً مسلحين.

لم يأخذ القادة العسكريون في المقاومة اللبنانية – وكلهم من الشبان المندفعين في طريق الجرأة و الشجاعة و الوطنية – لم يأخذوا بآراء السياسيين. وعزموا على إقتحام الكرنتينا وتحريرها من المسلحيين الغرباء الذين كانوا يزرعون الموت في صفوف المارة، ويقصفون من معاقلهم في تلك المنطقة أحياء وشوارع ومنازل وكنائس ومستشفيات المنطقة الشرقية من بيروت والمتن.

وكان الهجوم… كان ذلك الهجوم مع فجر ليل بارد وعاصف ممطر قاس في اوائل كانون الثاني من عام 1976 وكان هجوماً كاسحاً. لم يتجاوز عدد مقاتلي المقاومة اللبنانية المئة مقاتل وكان هناك احتياط حوالى مئة مقاتل يتدخلون في حال طلب منهم ذلك .

مئة شاب لبناني يحاولون طرد خمسة الآف مسلح يمتلكون أحدث أنواع الاسلحة الحديثة والثقيلة … انها مغامرة كبيرة جداً وقد تحدثت وكالات الانباء العالمية عن هذا الحدث عندما عنونت احداها “شجاعة اللبنانيين تدحر جحافل الغرباء”. وفوجىء الفلسطينيون والغرباء المتمركزون في أكواخ ودهاليز وأقبية وبنايات الكرنتينا بالهجوم فهبوا الى اسلحتهم وراحوا يطلقون قذائف مدافعهم ورصاص بنادقهم ورشاشاتهم على أحياء الأشرفية والرميل والنهر والدورة، وقد خيل إليهم ان عشرات الألوف من اللبنانيين المقاومين يهاجمونهم وهنا لعبت الحرب النفسية لعبتها سرعة الهجوم وتوقيته وقوته النارية.

ودارت معركة طاحنة، سقط فيها عشرات القتلى من المدنيين الأبرياء في الأحياء الآهلة بالسكان وعدد قليل من الشهداء وعشرات الجرحى من المقاومة اللبنانيين. اما عدد القتلى و الجرحى من الفلسطنيين والغرباء تجاوز المئات بين قتيل وجريح. استمرت المعارك ثلاثة ايام كان خلالها الفلسطنيون والغرباء يتلقون الامدادات والاسلحة والذخيرة بحراً.

عندها قرعت الاجراس في مختلف المناطق الشرقية واندفع الشبان من القرى اللبنانية لنجدة المقاومة اللبنانية التي تعمل على تحرير الكرنتينا. و اصبح عدد المقاتلين من المقاومة اللبنانية حوالى خمسمئة شاب يخوضون معركة شرسة مع خمسة الآف مسلح، أي على كل شاب لبناني ان يواجه عشرة مسلحين.

كان لا بد من أعجوبة للأنتصار… ووقعت الأعجوبة وتمّ الانتصار. لقد انتصرت المقاومة اللبنانية على الفلسطنيين والغرباء بصورة غريبة عجيبة، اعتبر هذا الانتصار اعجوبة إلهية. وهرب من استطاع النجاة من المسلحين الغرباء والفلسطنيين في زوارق حربية أرسلتها لهم المقاومة الفلسطنية مخلفين وراءهم اليآت وذخيرة و عدد كبير من الجرحى والقتلى.

بدأت المقاومة اللبنانية عمليات الاسعاف، فراحت تنقل الجرحى الفلسطنيين الى المستشفيات وتمد المدنيين من الأكراد الذين كانوا في الكرنتينا بالمساعدات الغذائية وبالأدوية.

تحررت الكرنتينا… وفتحت الطريق بين الجبل والعاصمة. دبّ الذعر في صفوف الفلسطنيين وقد شاهدوا المقاومة اللبنانية في الكرنتينا تقاتل بشجاعة نادرة وببسالة غريبة عجيبة وتسجل ذاك الانتصار، وتخوفوا ان تكمل الزحف الى مخيماتهم فاستنجدوا بسوريا.

وقد روى الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد في خطابه الشهير الذي سجل فيه احداث لبنان، ما حدث بعد معركة الكرنتينا، قال: “إتصل السيد ياسر عرفات من بيروت هاتفياً بالقصر الجمهوري في دمشق ليلاً طالباً ان يتحدث اليَّ فقيل له: “الرئيس الاسد استسلم للنوم ولا يمكن التحدث اليه الآن. دع ذلك الى الغد”. ورد عرفات:” إن الأمر خطير جداً و يجب أن أتحدث اليه فوراً.. أيقظوه”.

وتابع الاسد: “تحدثت الى السيد عرفات وسألته: ما الخبر؟ وماذا حدث؟ قال:     “لقد احتل الكتائبيون والأحرار الكرنتينا وفتكوا بقواتنا واستولوا على دباباتنا ومدافعنا. نرجوكم المساعدة”.

واردف الاسد في خطابه: “قلت لأبي عمار: كيف استطاع بضعة شبان لبنانيين أن يسجلوا على جيش التحرير الفلسطيني وعلى أنصاره من اللبنانيين هذا الانتصار؟ وأين الأسلحة والأموال التي اغدقناها عليكم نحن والدول العربية منذ عشرات السنين؟ وكيف تريدون ان تحاربوا اسرائيل و تنتصروا عليها وأنتم لا تستطيعون الانتصار على بضعة شبان من حزبي الكتائب و الأحرار؟ وردّ أبو عمار: “الأمر خطير يا سيادة الرئيس وإذا أرادوا الزحف الآن الى المنطقة الغربية واحتلال مخيماتنا وطردنا منها الطريق مفتوح أمامهم ولا يمكننا مقاومتهم”.

واضاف الاسد: “طمأنت السيد عرفات وقلت له: “اطمئن … لن يزحفوا الى المنطقة الغربية ونحن سنتدبر الأمر”.

هذا ما فعلته المقاومة اللبنانية الشريفة، في ذلك الوقت وعندما نكتب عن التاريخ المقاوم نكتب الاحداث لتكون عبرة لمن اعتبر وليس تحدياً لأحد فقط اقتضى التوضيح.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل