
كتبت ستيفاني جرجس في “المسيرة” العدد 1427:
من ساعةٍ وخنجر و “بونيا” إلى مسبحةٍ وصليب من خشب ورسالة صغيرة كتب فيها ” يا رفاقي، هيدا آخر يوم إلي هون أنا مش راجع بقى. تركتلكن اغراضي المتواضعة تقاسموها وتبقوا تذكروني بس أمانة وصلو هالساعة لإمي الغالية وخليها تدعيلي…”.
قضيته لا تختلف عن قضية اي شاب اراد الدفاع عن مسيحيته ووجوده. آمن بالاستشهاد وبقدره المكتوب بالدماء، فأخذت مسيرته عنواناً مختلفاً وباتت رجوليته مثالاً لكل رجل لا يتقاوم ولا يتراجع عندما يرى الأيادي اللقيطة تعبث بشرف وعرض الوطن…
عرف رفيق شاهين، ابن كفرعبيدا بمواقفه البطولية وبقلبه الحنون والطيب عند الحاجة. هو مزيجٌ غريب لرجل عانى في طفولته كثيراً، داق المر والعذاب بسبب مرض الربو، ليتخلص منه في الـ 16 ويبدأ مسيرته مع البارودة و الجبهات. طفولته الصعبة وبيئته المسيحية المتشددة والمهيأة للمقاومة شكلت له نوعاً من المباركة والترحيب لخياره، خيار المقاومة. من الصعب ان تجد كلمة او عبارة تعطيه حقه، حق شاب لم يترك جبهة تعتب عليه بدءاً من الشمال الى الاسواق التجارية في بيروت مع شعاره الدائم “اوعى توقع بالاسر، الاسر يعادل الاستشهاد بمئات المرات”. و”الخرطوشتان” لا تفارقان جعبته، ففي حال فرغت الزخيرة يختار الموت بالخرطوشتين على ان يقع اسيراً”.
مواقف رفيق لا تنتسى، خاصة في معارك الاسواق التجارية في بيروت. فقد كانت انذاك مجموعته تتمركز في جهة الخنادق وكانت الحدود بمثابة شارع من بناية الى اخرى والبناية كانت يوم معك يوم ضدك. كان على كل شاب ان يغطي مكان الاخر ولا يترك مكانه شاغراً، فقرر احدهم ان يقطع الطريق ليتمركز في مكان اخر واذ برصاصات القنص تنال منه ويقع ارضا، لتستيقيظ رجولية رفيق ولهيب عيناه يحرق من بعيد وهو يركض للانقاذ. هو فعلا رفيق… لم يخف، لم يتردد او يتراجع بل اكمل طريقه والرصاص يرافقه كخياله الى ان وصل الى نصف الطريق وهو يحاول سحبه عن الارض اصابته عين القنص في قلبه ليدق دقاته الاخيرة ويسقط فوق رفيقه. لكنه لم يعلم ان من ركض لانقاذ حياته لم يمت فاستشهاد رفيق الهى القناص وكتب لشاب عمر جديد. ” هيك كانت رجوليته وهلأد كان مندفع”.
اي خبر اصعب، استشهاده ام نقل الخبر لامه؟ مهمة صعبة كما قال شقيقه نسيب “كم تمنيت وحاولت اقناع نفسي ان رفيق آخر استشهد و ليس شقيقي، انا اتمنى والحرقة تحرقني بينما والدتي تجهل الامر وتتساءل عن سر بكائي. قلب الام كان كفيلا في اجابتها فكانت تصعد الى الشرفة وعيناها تدمع وهي تنظر الى سماء بيروت التي تلعلع بصوت القذائف والصواريخ وتصرخ “طانيوس يا طانيوس، يا دلي اخترب بيتي ببيروت راح ابني انا بعرف، بيروت خطفته مني”.
1 تموز 1957 – 1 تموز 1976، شاء القدر ان يستشهد رفيق في عيده الـ 19. في هذا اليوم كان من المفترض ان يقطع قالب الحلوى ويحتفل مع عائلته ولكن قدره كان ان يقطع درب الشهادة ويعود اليهم عريساً محمولاً على الاكتاف “بنعشه و بزته الخضراء” وهو يتراقص في الهواء من اول الطريق وصولاً الى مأواه الاخير ليرقد بسلام مع دعاء والدته. رجولته كانت مفتاحاً لباب الشهادة، غادر هذه الارض من دون علمه ان شقيقه الثاني يوسف اراد تخليد ذكراه، فبعد سنوات جاء رفيق اخر وحمل اسمه وقناعاته وورث رجوليته، وها هو الآن يكمل طريقه ويسير على خطاه ويقول له “عمي، يا رفيقي بالجنة فيك تنام وترتاح قضيتنا بعدا هي هي مستمرة ومثل ما في رفيق فوق في رفيق هون على هالارض…”.
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.