
أصبَحت مقولة «حماية المسيحيّين» سلعة يُتاجر بها البعض في لبنان، في وقت تتعالى أصواتٌ تُبرِّر قتالَ «حزب الله» في سوريا وتعتبره المنقذ الذي يقف سدّاً في وجه التكفيريّين، فيما يحاول البعض إلباسَ البطريركية المارونية موقفاً بأنها تطلب حماية «حزب الله» دفاعاً عن مسيحيّي لبنان، لذلك يخرج راعي أبرشية جبيل للموارنة المطران ميشال عون عن صمته، ليؤكّد لـ»الجمهورية» أنّ الإكليروس الماروني لم ولن يَطلب حماية الحزب للمسيحيّين، «لأنَّ الجيش وحده يحمي الجميع».
ومهما اشتدّت الأعاصير وتكاثَر الظلّام، لن يسمح الموارنة في الدولة التي بنوها، بأن يأتي وقت يطلبون فيه حماية حزب مسلّح أو أيّ فصيل آخر»، مشدّداً على أنّ «الجيش هو المسؤول عن حماية المسيحيين وجميع اللبنانيين، وعلى الموارنة والأرثوذكس والكاثوليك والجميع، دعمه بكلّ الوسائل، فهو القادر على مواجهة «داعش» إذا ما قرّرت مهاجمة لبنان».
يقرأ عون خفايا السياسة الداخلية والعالمية وتفاصيلها بتأنٍّ، ويقول «إنّ لبنان غير متروك لقدره، وهناك قنوات ديبلوماسيّة تعمل لإبعاد الخطر عنه، والأوضاع ليست سائبة، وهناك معادلة أميركيّة – أوروبيّة رُسمت، تمنع تحويل لبنان الى سوريا أو العراق».
«لسنا محيّدين مئة في المئة عن نزاعات المنطقة، لكنّنا نحظى بمظلة أمان»، من هذا التوصيف ينطلق عون ليتحدّث عن التركيبة اللبنانية التي يعتبرها ضمانة، «لأنّ السنّة والشيعة والدروز ومعهم المسيحيين إختبروا العيش الواحد، وهذا أمر غير موجود في العراق وسوريا، وباتوا يملكون الوعي الكافي الذي يشكّل ضمانة في وجه تمدّد «داعش»، على رغم بعض أصوات التطرّف والتكفير والتعصّب من المذهبَين السنّي والشيعي، لكنّ العقلاء أكثريّة ساحقة». وعلى رغم وجود ضمانات من بعض الدول العربية والغربية، إلّا أنّ ذلك لا يلغي القلق، من هنا يجزم عون: «لستُ خائفاً، والموارنة ولبنان أقوى من كل التحديات».
يستَخلص الباحثون عند تشخيص مرض الجسم المسيحي، بأنّه يعود الى عدم قراءة جيّدة للسياسة الدولية. وفيما يُعتبر النائب وليد جنبلاط القارئ الأوّل للتحركات العالمية، يرتبط السنّة بالسعوديّة والشيعة بإيران، أما الموارنة فيفتقدون حليفتهم وأمّهم الحنون، فرنسا.
لذلك، يشير عون الى أنّ «فرنسا لديها سياستها وعطفها تجاه لبنان والموارنة، لكنّ الأوضاع تبدّلت والدول الكبرى ترسم سياستها حسب مصالحها، وربما لم تعد تسهر علينا، لكنها تأخذ في الإعتبار حقوقنا ومصالحنا».
أمّا تعويض الموارنة عن دعم فرنسا، فيجده عون في الفاتيكان، «الذي يرتبط به الموارنة ارتباطاً عضوياً، وهو لن يتخلّى عنهم، ومن خلاله نستقطب دعم فرنسا وإيطاليا والدول الأوروبية، ومن المعروف مدى تأثير الفاتيكان في السياسة العالمية، وديبلوماسيتها الناشطة في عواصم العالم كافّة، لذلك، فإنّ للموارنة ظهراً يستندون إليه، والفاتيكان سلطة معنوية عالمية يفوق تأثيرها في بعض الأحيان تأثير الدول العظمى».
يُراهن عون على تفاعل السياسة العالمية والشرق أوسطيّة بالتعاون مع فرنسا والفاتيكان لتأمين الضمانة السياسيّة لحماية مسيحيّي لبنان، لأنّ العمل الديبلوماسي للبطريركية المارونية يترافق مع العمل على الأرض لتثبيت المسيحيين في وطنهم.
يرفض عون بشدّة الكلام الذي يقول إنّ «حزب الله» يحمي المسيحيين، ويقول: «هذا الامر ليس صحيحاً، فالحزب يَحمي القرى الشيعية في البقاع، والتقاطع معه أحياناً لا يعني أنّه القاعدة، إذ لا نريد ضمانات من الحزب، فالجيش وحده يحمينا، وقدّم بطولات في عرسال، وليس صحيحاً أنّه لا يملك سلاحاً، لأنّ هبة التسليح الثانية جديّة، أما قيام بعض البلديات والأفراد بالسهر والمراقبة في البلدات المسيحية البقاعية، فهو لمساعدة الجيش وبالتنسيق معه، وليس لمساعدة الحزب، لأنّه وعلى مرّ التاريخ لم يكن «حزب الله» أو أيّ حزب آخر ضمانة للمسيحيين الذين بقيَ خيارهم الوحيد دعم الدولة والجيش».
ويؤكد عون «أننا لن ندخل في لعبة التطرّف والظلام، وسنبقى نعمل من أجل لبنان الرسالة كما قال عنه البابا القديس يوحنا بولس الثاني، ولن يحيدنا أحد عن خطّنا التاريخي، لكنّنا كنا نتمنى أنّ ننتخب رئيساً للجمهورية لتزيد ضمانات الإستقرار». ويتوجّه الى الزعماء الموارنة، لافتاً نظرهم الى أنّ «الظرف إستثنائي ويجب أن يعملوا على وضع خطّة طوارئ لكي لا تفاجئهم الأحداث، ويتفقوا على انتخاب رئيس».