أتى الله بريشته الخضراء ليرسم أشجاره وأرزه ويتوجهم بوشاح أبيض شتوي، ويطلو سماءه بالأزرق الصافي، وشمسه ترشح ذهباً عسلّيّاً يمتزج أحياناً مع دموع السماء ليسقي التربة والجرود المثمرة.
إنه لبنان. وتعود تسميته إلى اللبان أي البخور.
فهو أرض البخور والقداسة، أرض امتزجت ترابها بدم الشهداء ورفات القديسين أمثال مار نوهرا الشهيد، والشهيدة أكويلينا الجبيليّة، وكريستينا من صور، وبربارة البعلبكيّة…
إبن الله نفسه كان أول من بشّر أجدادنا!
نعم! فالكتاب المقدّس، شاهد يشهد.
هناك ما يزيد فيه عن 30 سفراً تتحدث عن لبنان، أو تشير إلى أمور تتعلق به، من أصل 66 سفراً.
فلبنان مذكورٌ فيه 70 مرة، والأرْزُ 75 مرة، وصور 59 مرة، وصيدا 50 مرة.
إضافة إلى ذكْر 35 قريةً ومدينةً وعشرِ مناطقَ تقع جميعها في وقتنا الحاضر ضمن حدود لبنان الحالية، مثل: صور، وصيدا، وجبيل، والصرفند، وأفقا، ويارون، وعنجر، وقانا، وترشيش…
فتَرِدُ في أَسفار الكتاب المقدس حقائقُ عن عظمةِ صُور واتساعِ نشاطها التجاري وأهميةِ صيدونَ وشعبِها، ونشاطِ الفينيقيين التجاري والبحري، وزيارةِ المسيح جنوبَ لبنان في صيدا وصور وتَجَلّيه على جبل حرمون . فاستعار الأنبياء، مثل: إشعيا، وإرميا، وحزقيال، وهوشع، وميخا بجمال طبيعة لبنان الباهرة ليصفوا ما يريدون وصفه من خلال تعابيرهم الرمزية والمجازية.
في سِفْر يشوع: “أخذَ يشوعُ تلك الأرضَ من الجبل الصاعد، إلى بعل جاد في بقعةِ لبنانَ تحت جبل حرمون”.
في سِفْر القُضاة: “قال العوسج للأشجار: إن كنتم بالحق تمسحونني، تعالَوا واحتموا تحت ظلي، قبل أن تخرجَ نارٌ من العوسج وتأكلَ أرز لبنان”.
في سِفْر أخبار الأيام الثاني: “وأَرسِلْ لي خشبَ أرزٍ وسرْوٍ وصندلٍ من لبنان، فأنا أعرف أنّ رجالَكَ ماهرون في قطع خشب الأرز”.
في سِفْر عزرا: “أَعطوا فضةً للنحاتين والنجارين، ومأكلاً ومشرباً وزيتاً للصيدونيين والصوريين كي يأتوا بِخَشب الأرز من لبنان إلى بحر يافا حسب إذْن قورش ملك فارس” .
في سِفْر المزامير من المزمور 72: “حفنةُ قمحٍ في الأرض من رؤوس الجبال، تتمايل مثلَ لبنانَ سنابلُها، وتزهر في المدينة مثلَ عشب الحقل” .
من النشيد الرابع في سِفْر نشيد الأناشيد: “هلُمّي معي من لبنان، يا عروس من لبنان، شفتاكِ شهداً تقطُران، تَحت لسانكِ عسلٌ ولبن، ورائحةُ ثيابكِ زكيَّةٌ كرائحة الأرز في لبنان… هلمّي معي يا أختيَ العروس، يا جنةً مقفَلَةً، ويا ينبوعاً مَختوماً، ينبوعَ جنّاتٍ وبئرَ مياهٍ عذبةٍ من أنهار لبنان” .
وفي النشيد الخامس من السِفْر نفسِه نقرأ: “حبيبي فتىً كالأرز، طَلْعَتُهُ كلبنان… أَنفُهُ كبُرجِ لبنان الناظرِ إلى دمشق”.
في سِفْر إشعيا نقرأ: “تفرح البرّيّةُ والأرض اليابسة، يبتهجُ القفْر، يُزهرُ النرجس، ويعطى له مجدُ لبنان وبهاءُ الكرمل”.
مزامير 12:92: “الصدّيق كالنخلة يزهو كالأرز في لبنان ينمو”.
مزامير 16:104: “تشبع أشجار الرب أرز لبنان الذي نصبه”.
زكريا 1:11: “إفتح أبوابك يا لبنان فتأكل النار أرزك”.
يشير عالم الكتاب المقدس الفرد دوران، في بداية القرن العشرين، الى ان *رحلة السيد المسيح في ارض لبنان الحالية تبدأ من نقطة تقع قرب بلدة يارون، المحاذية من جانبي الحدود بين مدينة صفد ومنطقة بنت جبيل، ومن بينها بلدة الجش، التي هي بحسب بعض المؤرخين مسقط رأس عائلة بولس الرسول.
ومن موقعي يارون ومارون الراس، حيث جرت معارك مصيرية حديثا وقديماً، بحيث ينحدر الطريق من هناك الى واديين يؤدي كل منهما عبر سلسلة من المرتفعات والأودية الى قانا وصور.
تشير المكتشفات الأثرية الى معالم يثبت عدد من علماء الكتاب المقدس، أنها هي قانا الجليل اللبناني حيث حوّل السيد المسيح الماء الى خمر أثناء عرس كانت السيدة العذراء مريم حاضرة فيه مع عدد من التلاميذ.
وفي جوار تبنين حيث تقع قلعة صليبية تضم بين أسوارها كنيسة، على اسم السيدة العذراء مريم، ينقل التقليد ان السيد المسيح وقف عند تلة مطلة على منظر جميل يشمل جبل حرمون شرقاً ومدينة صور.
لا يمكننا أن ننسى صدى كلمات الخلاص التي نطق بها يوما المسيح في الجليل، ولا يمكننا ألا نقدس هذا التراب الذي كان يوماً بساط تحت أقدام سيدنا المسيح والوالدة العذراء، وانّ “لبنان” قد طبعت حروفه وحروف بلداته وصمة شرف للبنانيين والعرب جميعاً في الإنجيل المقدس.