ببسالة وشهامة وبشجاعة، خاضت المقاومة اللبنانية معارك كثيرة قبل وبعد انقلاب الأحدب (11 آذار 1976) لا يمكن حصرها في مقال واحد بل هي بحاجة الى مجلدات. انها معارك عنيفة وقاسية تبلغ حد الأساطير التي لا تصدق، انها ملاحم بطولية لشعب عنيد لا يطأطأ رأسه سوى لديّانه اله الارض والسماء.
مخيم “تل الزعتر” الذي ساهم في بنائه خبراء عسكريون الروس، كان قلعة الفلسطينيين الحربية الحصينة المنيعة التي لا تقتحم ولا تسقط. بنوا فيه التحصينات القوية ومستودعات الذخيرة تحت الارض، جهزوه بالمدافع وراجمات الصواريخ، وحشدوا فيه ألاف المسلحين من الفلسطينيين ومن القادة الغرباء من ليبيا والدول الاشتراكية بينهم خبراء في صناعة الأسلحة على سبيل المثال “صناعة القاذفات الصاروخية” إذ انشأوا داخل المخيم مصنعاً للأسلحة والذخيرة.
من هذا المخيم كان الفلسطينيون يقصفون المنطقة الشرقية، نظراً لموقعه الاستراتيجي إذ أنه يقع على ربوة تطل على بيروت والضواحي. وقد ذاق أبناء فرن الشباك وعين الرمانة والأشرفية والحدث وسن الفيل والدكوانة والجديدة من قذائف وصواريخ مخيم تل الزعتر الأمرّين.
كان الفلسطينيون يفرضون الخوة على المصانع في تل الزعتر وكانوا يتقاضون منها المبالغ المالية الطائلة، وإذ خطر لصاحب مصنع أن يرفض دفع الخوة فالويل له ولعماله ولمصنعه من غضب الفلسطينيين. فهم يخطفون صاحب المصنع ويقتلون العمال وينسفون البناء.
وأخيراً، قطع الفلسطينيون في تل الزعتر الطريق بين قرى ومدن المتن وبيروت، فثارت المقاومة اللبنانية، وهي ترى القذائف والصواريخ الفلسطينية تنهمر على المنازل والمحال التجارية في المنطقة الشرقية بكاملها وتهدمها على ساكنيها.
اشتد غضب شبان “الكتائب” و”الأحرار” و”حراس الأرز” وهم يشاهدون الفلسطينيين يقطعون الطرق على ابناء المتن ويفرضون سلطانهم الكامل على المصانع في تل الزعتر والمكلس والمنصورية، وقدر عدد هذه المصانع بنحو مئتي مصنع.
تحول الغضب في قلوب هؤلاء الشبان الابطال الى ثورة لاهبة وهم يشاهدون فلسطينيي تل الزعتر يخطفون عدداً من اللبنانيين وينكلون بهم ويقتلونهم لتبتلع جثثهم دهاليز المخيم، من دون ان تتحرك الدولة أو ان تقبض على مجرم واحد منهم أوتحقق مع واحد منهم. وما اشبه الامس الى اليوم دويلة ضمن الدولة وتصرف الدولة الآن كما تصرفها بالأمس.
عزم الشبان اللبنانيون الأبطال على تحرير منطقة تل الزعتر وأصدروا حكمهم بإستئصال هذا المخيم الذي تحوّل “جسم سرطانياً” في المنطقة. هذ قدر المقاومة اللبنانية، يوم تخلت الدولة عن واجباتها لمصلحة الدويلة .
إصدار الحكم كان هيناً ولكن ماذا عن التنفيذ؟
ان مجرد التفكير باقتحام تحصينات مخيم تل الزعتر كان يعتبر ضرباً من الجنون، إلا أن ثمة ايمانا كان يكتنز في قلوب اولئك الشبان البواسل، والايمان يفعل العجائب. وقد فعل الايمان العجائب.
ففي اوائل شهر حزيران من عام 1976، اختطف فلسطينيو تل الزعتر ثلاثة عمال مسيحيين كانوا يتوجهون الى المصنع الذي يعملون فيه. وذبحوهم والقوا بجثثهم على الطريق العام ليكونوا “عبرة لمن يعتبر…”. الذبح الذي نشاهده اليوم ليس جديداً، مما يعني أن “داعش” ورثت هذا التقليد من زمان من ايام هؤلاء الاوباش الذين اذقناهم طعم التعدي وسوء التقدير لقوة وبطش رجال المقاومة اللبنانية، هل هناك من يسمع او يقرأ مقالتي.
ثم أقدم الفلسطينيون هناك على خطف سائق سيارة عمومية كان ينقل بسيارته امرأة وابنتها وثلاثة رجال عند مستديرة تل الزعتر وقتلوا سائق السيارة واستولوا على السيارة والركاب. وفي اليوم التالي، عثر على الركاب الخمسة جثثاً مشوهة على طريق المكلس وطبعاً هؤلاء الشهداء مسيحيون. مما يعني أن “داعش” كانت هنا قبل عشرات السنيين وعندما يقول الحكيم ان عشرات الدواعش مروا علينا وكسرناهم هو يعني ما يقول وها هي الامثلة الحية تقرأوها الآن.
بعد ايام وضعوا عبوة ناسفة بالقرب من أحد المصانع وفجروها، فدمرت قسماً من المصنع لأنهم كانوا طلبوا مبلغ 25 ألف ليرة خوة من صاحب المصنع لم يستطع أن يؤمن سوى 15 الف ليرة فقط.
توالت الجرائم في تل الزعتر وعلى الطرق القريبة منه والتي يسيطر الفلسطينيون عليها من دون ان تتحرك الدولة ومن دون ان تجرؤ على التعرض لهم. لم يتغير شيء مع الأسف ونرى التصرف ذاته مع دويلة “حزب الله”.
في هذه الأثناء كانت القنابل والصواريخ، تنهمر بغزارة من مخيم تل الزعتر على الاشرفية والدكوانة وسن الفيل والحازمية وفرن الشباك وعين الرمانة لتهدم المنازل وتفتك بالسكان الأبرياء… كل ذلك والدولة واقفت تتفرج. وكان ابناء سن الفيل والدكوانة والحازمية يدافعون عن ارواحهم وممتلكاتهم وشرفهم دفاع الأبطال، وكانت قوات حزبي “الكتائب” و”الاحرار” ترد على قذائف وصواريخ تل الزعتر من فرن الشباك والأشرفية وعين الرمانة.
كان لا بد من وضع نهاية حاسمة لمخيم تل الزعتر بأي ثمن. وفي الثامن والعشرين من حزيران 1976، فتح رجال الوطنيين الاحرار معركة تل الزعتر بهجوم عنيف قاده امين الدفاع الشهيد داني شمعون بنفسه مع قادة الحزب “ابو كمال” ورفاقه. اعتبر هذا الهجوم ضرباً من الجنون. إذ كان مخيم تل الزعتر يعتبر قلعة او بالأحرى قلاعاً لا تقتحم.
دارت معركة عنيفة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة بين رجال الوطنيين الأحرار وبين الفلسطينيين في تل الزعتر استعمل فيها الفلسطينيون كل ما لديهم من صواريخ ومدافع ثقيلة وقنابل وراجمات. وخيّل للفلسطينيين انهم قضوا او سيقضون خلال ساعات قليلة على مقاتلي “الأحرار”.
فجأة تدخل مقاتلو “الكتائب اللبنانية” بقيادة القائد الميداني الشهيد وليام حاوي عضو المكتب السياسي واحد قادة الكتائب البارزين ليساندوا اخوانهم مقاتلي الوطنيين الأحرار. استبسل الكتائبيون والوطنيون الأحرار في المعركة استبسالاً ادهش العالم.
في هذه الأثناء، و قبل أن يمضي على نشوب المعركة بين قوات حزبي “الكتائب” بقيادة وليم حاوي و”الأحرار” بقيادة داني شمعون وبين الفلسطنيين زهاء 48 ساعة تدخل الشيخ الرئيس الشهيد بشير الجميل “قائد القوات اللبنانية” شخصياً في المعركة، ووثب الى ميدان المعركة على رأس قوة كبيرة من رجاله الأبطال.
راح الشيخ بشير يرسم الخطط مع معاونيه أبطال حزب “الكتائب” وينفذوها فوراً فيطوقون قوة من الفلسطينيين هنا و يقصفون قوة هناك، ويطلقون القذائف والصواريخ في كل اتجاه. فدبّ الزعر في قلوب الفلسطينيين وقد خيّل اليهم ان هناك عشرات الألاف من “الوطنيين الأحرار” و “الكتائب” يهاجمونهم. واستفاد رجال المقاومة اللبنانية من العبر المستقاة من معركة الكرنتينا التي ربحوها في مطلع العام 1976 وطبقوها في معركة تل الزعتر.
بالرغم من ان عدد رجال المقاومة اللبنانية لم يكن يتجاوز الألف مقاتل في حين كان عدد المسلحين الفلسطينيين واعوانهم الغرباء والمرتزقة في تل الزعتر يزيد على الخمسة الآف مسلح بالأضافة الى مئات الخبراء والاختصاصيين من الدول الاشتراكية والشيوعية وليبيا الذين كانوا داخل المخيم يرسمون الخطط ويضعون الخرائط وينتجون الذخيرة والأسلحة. وهنا تم كسر القاعدة العسكرية القائلة إن حجم المهاجمين بالنسبة لحجم المدافعين يجب ان يكون ثلاثة على واحد، وما حصل يعتبر ضرباً من الجنون او ابحاراً في المجهول، ولكن هناك شيء اهم وهو ان اصحاب الارض يقاتلون دفاعاً عن العرض والشرف والوطن مقابل مرتزقة يقاتلون فقط لمصالحهم الخاصة ومكتسباتهم.
كان امين الدفاع في حزب “الوطنيين الأحرار” من جهة ثانية يرسم خطط الهجوم مع قادته وينفذها ابطال حزب الوطنيين الأحرار بكل دقة، مظهرين بسالة وشجاعة نادرتين لم تعرفها ميادين القتال.
وانضم الى ابطال المقاومة اللبنانية، ابطال حراس الارز بقيادة المقاوم إتيان صقر “ابو أرز” وقد أبلوا في معركة تل الزعتر بلاءً مدهشاً فكانوا يهجمون هجوم الأسود على الفلسطينيين فيدحرونهم ويستولون على اسلحتهم وذخائرهم.
في محلة الدكوانة كان المقاوم مارون خوري ” الباش مارون” على رأس قوة من رجال “حركة الشبيبة اللبنانية” يدافع عن المنطقة ببسالة، وقد استطاع مقاتلو حركة الشبيبة اللبنانية الشجعان ان يردوا هجمات عدة شنها الفلسطينيون عليهم في محاولات لاحتلال الدكوانة.
راح شبان سن الفيل والجديدة والحازمية يساعدون المقاومة اللبنانية التي كانت قد بدأت تتقدم نحو مخيم تل الزعتر لمحاصرته.
بدأت قلاع تل الزعتر تنهار قلعة تلو قلعة تحت قذائف وصواريخ قوات حزبي “الكتائب” و”الأحرار” وشجاعة اولئك الشبان من الحزبين اللبنانيين ومن حراس الأرز وحركة الشبيبة والتنظيم والقوى التي كانت فروع واقسام “الوطنيين الأحرار” و”الكتائب” في المنطقة قد سلحتها ونظمتها لمساندة “القوات اللبنانية” التي بدأت تأخذ اسمها ولو بشكل خجول منذ ذلك الحين.
ضربت “القوات اللبنانية” المؤلفة من احزاب الجبهة اللبنانية حصاراً على مخيم تل الزعتر وأنذرت الفلسطينيين المتحصنيين في قلاع ودهاليز ومتاريس المخيم بالاستسلام، الا أن الفلسطينيين لم يستسلموا بل هم راحوا يقصفون “القوات اللبنانية” بضراوة مما ادى الى استشهاد عدد من عناصر “القوات اللبنانية” وهم في زهرة شبابهم وبسمة العمر وكلهم من الفتيان والفتيات اللواتي أبلين بلاءً حسناً أثار دهشة المقاتلين أنفسهم. والشبان المثقفين ومن طلاب الجامعات والثانويات حملوا السلاح دفاعاً عن وطنهم و كرامتهم وحريتهم وشرفهم وعلم بلادهم.
كان باستطاعة “القوات اللبنانية” ان تدمر المخيم بكامله وتقضي على كل الذين هم في داخله خلال ثلاثة ايام إلا ان وجود عدد كبير من المدنيين الفلسطينيين داخل المخيم وبينهم نساء واطفال وشيوخ أهاب بقادة “القوات اللبنانية”، لا سيما الشيخ بشير الجميل، داني شمعون، وليم حاوي، ابو ارز وغيرهم، أهاب بهم وجود المدنيين داخل المخيم الى عدم تدمير المخيم بكامله حرصاً على ارواح المدنيين.
عوضاً من أن تنتهي معركة تل الزعتر في ثلاثة أيام بتدمير المخيم بكامله فوق رؤوس ساكنيه المسلحين وغير المسلحين استمرت المعركة أو بالأحرى الحصار اثنين وخمسين يوماً.
أخذت “القوات اللبنانية” تستولي على اسلحة المسلحين الفلسطينيين “بالتقسيط ” وتأسر المسلحين من دون ان تقتلهم كما كان الفلسطينيون يفعلون باللبنانيين.
وكان القائد وليم حاوي يتسلم الأسرى فيجردهم من سلاحهم ويرسلهم الى المعتقلات في “الكتائب” و”الاحرار” تمهيداً لتسليمهم الى الصليب الاحمر اللبناني.
في 13 تموز، وبينما كان القائد وليم حاوي يتسلم دفعة من الأسرى الفلسطينيين ويجردهم من سلاحهم، اطلق عليه مسلح فلسطيني اسير الرصاص فأصابه بطلقات عدة في رأسه و صدره.
استشهد وليم حاوي، البطل الذي اعطى لبنان كل شيء، حتى حياته…
كان استشهاد وليم حاوي حافزاً لـ”القوات اللبنانية”، فصعّدوا في 22 تموز1976 هجومهم على تل الزعتر بقوة وضراوة وبطولة.
وسقط المخيم …
كان مقاتلو “القوات اللبنانية” شرفاء، فلم يغدروا، لم ينتقموا ولم ينكلوا بالنساء والأطفال والشيوخ، بل راحوا يجمعون المدنيين ويسعفونهم بالطعام والشراب وبالثياب وبالأدوية ويسلمونهم لـ”الصليب الأحمر” الذي كانت سياراته تنقلهم الى المنطقة الغربية.
استولت “القوات اللبنانية” الباسلة على مخيم تل الزعتر. لم يساعدها أحد فقط هي قاتلت باللحم الحي وما الاقاويل والدعايات المدسوسة عن مساعدات اميركية او غيرها ليست سوى حجة لتخفيف هول الصدمة.
ماذا وجدت “القوات اللبنانية” داخل المخيم؟! وجدت اسلحة ثقيلة ومتوسطة وخفيفة بكميات هائلة، وجدت صواريخ وقنابل وقذائف “روسية” حديثة الصنع، وحصوناً وقلاعاً مثبتة وخنادق محصنة تحت الارض. وجدت مصنعاً للأسلحة وآخر للذخيرة، ولو أن الفلسطينيين في تل الزعتر ارادوا احتلال المنطقة الشرقية بما لديهم من ذخائر ومعدات لاستطاعوا ذلك.
أسرت “القوات اللبنانية” داخل المخيم خبراء اسلحة وذخيرة من الدول الشيوعية، ضباطاً من بعض الدول الشيوعية والعربية كانوا يتولون قيادة المعارك، كما أسروا جواسيس من دول اجنبية ومن دول عربية بينهم جاسوسة برتبة جنرال في دولة شيوعية، كما ايضاً ارهابيين مثل منظمة بادر-ماينهوف والالوية الحمر وغيرهم. قد تم تسليم جميع الجواسيس والأختصاصيين والخبراء والقادة الميدانيين منهم الى الصليب الأحمر الذي تولى بدوره تسليمهم الى سفاراتهم في بيروت.
لا يستطيع احد ان يتهم “القوات اللبنانية” بالغدر او بعدم الشهامة ذلك لانه لم يخدش اسيراً واحداً من اولئك الاسرى ولم يصب احد منهم بجرح بالرغم من اولئك الفلسطينيين “الاسرى” كانوا ينكلون باللبنانيين ويخطفون الأبرياء ويقتلوهم ويهدمون الابنية على ساكنيها من الاطفال والنساء والشيوخ ويدمرون الكنائس والمدارس والمياتم والمستشفيات. فأذا بـ”القوات اللبنانية” تطبق اتفاقية جنيف من ناحية الأسرى و”نداء جنيف” قبل عقود من وضعه لناحية الأسرى. وكل ما عدا ذلك كان دساً رخيصاً لتشويه الانتصار. حصيلة المعارك كانت 1500 قتيل حيث كان يسكن المخيم 20 الف فلسطيني و15 ألف لبنانيا مسلما.
انتهت اسطورة تل الزعتر بسقوطه في 14 آب 1976…
ويأتيك من يتهجم على تاريخ “المقاومة اللبنانية”، ردنا عليه شهاداتنا هذه واظنني اصبح هذا الأحد يعرف ماذا يقول لنفسه والسلام…
