إن ننسَ فلن ننسى: وصرخ وليم “أنا البطرك دقوا الجراس”…

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” العدد 1429:

كان في مباراة لكرة القدم، هو الرياضي من الطراز الرفيع، تعرّف الى الشيخ بيار الجميل، طلب منه الانضمام الى “الكتائب”، وصار وليم حاوي الذي تعرفه المقاومة المسيحية.

عندما اصبح فتى كتائبياً العام 1937، كان همّ الحزب الحفاظ على كيان لبنان الحر وصون هويته من أهواء العروبة والتعريب وما شابه، لذلك وجد نفسه في تلك المبادئ، وصار رفيق الشيخ بيار وأول من يستشيره وأكثر من يعترضه أيضاً. كان يكره السياسة والمراوغة والمساومات، “اذا وافق وليم يعني وافق الجميع” قال عنه مرّة رفيقه ادمون رزق.

الصعب المراس كان يوصف برجل القضية، لكنه مع ذلك كان رجل الانضباط  فرغم الصراعات التي كانت تدور في اجتماعات المكتب السياسي والاختلاف الحاد احياناً في وجهات النظر، كان يلتزم حتى النهاية  بقرار الاكثرية.

بداية الخمسينات اصبح عضواً في مجلس بلدية بيروت، هو المدخل الرئيس بالنسبة اليه  للخدمة العامة ولايصال رسالة الحزبي الملتزم الى مجتمعه بأن الحزب ليس تقوقعاً ولا انعزالية، انما هو انفتاح على الآخر وعلى هذا الاساس تعاطى مع ابناء بيروت، اعطى البلدية كل جهده ووقته وخدم الجميع من دون حاجز الطائفة أو الحزبية، نزاهته جعلته مصدر خوف لكثير من الموظفين المرتشين، تقول ابنته ليلى، “كان وقت يروح ع البلدية يخافوا ويحاولوا يخفوا اي اثر عن مخالفات ارتكبوها وبس حدن يبعتلوا هديي ع البيت او المكتب يصرخ بوجن انا عم قوم بواجبي ما حدن يرشيني بالهدايا”.

رُشّح العام 1957 الى الانتخابات النيابية عن المقعد الارثوذكسي في بيروت،  لم ينجح. اقفلوا بوجهه كل امكانات الوصول الى الندوة البرلمانية، كانوا يعرفون انه الصوت القوي الشجاع  لذلك حاربوه بكل قسوة، فشل في الدخول من باب البرلمان لكنه تربع مرتاحاً عند الاف البيروتيين الذين اكتشفوا وجهاً مقاوماتياً هي نموذجاً رائعاً عن مناضلي ذاك الوقت العصيب.

كان من اشد الرافضين لاتفاقية القاهرة، وعاند قرار المكتب السياسي انذاك بدعمها وذلك دعماً لرئيس البلاد شارل حلو. كان دائماً مع الخيار العسكري، هو الذي يرفض اساساً مبدأ العنف،  لكن عندما رأى خطر المنظمات الفلسطينية المسلحة والغرباء الذين بدأوا يتكاثرون على أبواب الوطن وفي قلبه، وعندما وجد ان الجيش عاجز عن المواجهة، دعا  صراحة الى حمل السلاح قبل ان يهدر ما تبقى من مساحة الوطن. “اضطرينا ندافع عن حالنا حتى ما  ينتهي البلد”، قال ذات مقابلة.

احتل الحزب المساحة الاكبر من حياته، كل حياته تقريباً، وكان الفلسطينيون بداوا يحتلون  أجزاء من لبنان. كان الحزب رسالته “وعلي ان اكمل الرسالة على اكمل وجه” وكانت المنظمات المسلحة بمساندة الاحزاب اللبنانية اليسارية، بدأت تغير وجه لبنان وجغرافيته وبدأ الخطر ينخر الساعات اللبنانية الموقتة على الانفجار كسرطان ينخر عظام انسان وهو ينتظر ساعة الصفر، الموت. رفض كما كثر في المقاومة المسيحية  انتظارالموت الزاحف الى جسد الارض، لم يترددوا، حملوا السلاح جميعاً وذهبوا لاقتلاع المرض مهما  كلّف الامر، وكلّف الكثير الكثير…

لبس رئيس القوى النظامية التي تأسست بعد اندلاع  ثورة الـ 1958، البذة الزيتية ، لبسوها جميعاً، وهو الذي كانت اولى ميزاته الانفتاح على  الآخر، وجد نفسه في مواجهة عسكرية مباشرة معه، الآخر والغريب. كان لا بد ان يفعل هي معركة حياة او موت، كان يقول، وان استشهد لكن قضيته انتصرت للحياة وهو يعرف هذا تماماً.

الغريب ان الكتائبي ابن ضهور الشوير، كان صديق انطون سعاده ابن بلدته القومي السوري “الصداقة شي والفكر السياسي امر آخر تماماً” كان يردد امام رفاقه وشبابه ليعطيهم دروساً بالانفتاح. الكتائبي العنيد كان في عزّ المعارك يصرّ على  الذهاب ليلاً الى  بلدته للاطمئنان على أحوال الناس  فوق، وتحديداً على القوميين السوريين، اذ كان يخشى أن تحصل مخالفات او اشتباكات بينهم والشباب، وكان وجوده حافزا لردع الكثير من التعديات الفردية من الطرفين.

…ووقعت الحرب. كان يعرف انها حاصلة لا محال. كل شيء كان يوحي بانطلاق ساعة الصفر لكنه لم يكن يعرف من اين ستنطلق تحديداً، وجاءت تلك البوسطة، ذاك النيسان من عين الرمانة  1975. استفزته الحادثة حتى الضلوع. شعر ان الخطر يتآكل البلاد، تحضّر كما كل الشباب للمواجهة المصيرية المكللة  بالخطر، وفي الوقت نفسه كان يطلب من الشباب الا ينجرفوا خلف العنف المجاني، وكان يثور على المخالفين ويعاقبهم. استفزته تلك الحرب حتى النهاية من دون ان تستنزفه. شاهد كيف حاول الفلسطينيون جعل لبنان الوطن البديل لهم، وكيف تغلغلت فصائلهم المسلحة بقلب الكيان اللبناني، “يجب اخضاعهم لسلطة الدولة مهما كان الثمن”، كان يصرخ.

صراخه وصل الى الجبهات كافة. كانت له كل الجبهات، عند الخطوط الامامية دائماً انطلاقاً من موقعه كقائد المجلس الحربي الكتائبي، من جبهة الاسواق الى جسر الباشا فالكرنتينا، الى  تل الزعتر فالدكوانة وهناك، في الدكوانة كانت له حكاية ما زالت تروى حتى الساعة. كان نوّار من العام 75، الجبهات كلها شعلة نار، المقاومون كل الى جبهته، باللحم الحي بالمستحيل المتوافر وغير المتوافر يدافعون عن المناطق المسيحية، الفلسطينيون يتحضّرون لهجوم على الدكوانة، بدأ القصف العنيف بالاسلحة الثقيلة والصواريخ وبدأ الحصار يضيق، لم يكن الشباب  يملكون لا العتاد الكافي ولا العناصر ولا الوقت لصد الهجوم سألوه “شو منعمل شيف؟”، فكّر لدقائق واجاب “لا شيء اطلبوا من الاقسام كافة ان يقرعوا الاجراس في كل المناطق المسيحية”. بعض الكهنة رفضوا الامر بداية لانهم  لم يحصلوا على موافقة البطريرك، صرخ “انا البطرك، هلأ دقوا الجراس” وقرعت الاجراس وطنطنت المناطق المسيحية بصوت النداء الذي عبر المسافات ليزرع الشجاعة والهمّة في قلوب المواطنين العاديين الذين توفدوا مدججين بما توافر من سلاح ابيض وما شابه لمشاركة الشباب في نضالهم، لكن الهدف كان غير ذلك، اذ ما ان سمع الفلسطينيون الاجراس حتى دب الذعر فيهم وظنوا ان جحافل تتهيأ للهجوم عليهم فسارعوا الى الانسحاب وتبدّل وجه المعركة تماماً.

 

13  تموز 1976 كانت الرابعة من بعد الظهر، الرجل الذي منح حياته وقلبه لشرف المقاومة المسيحية، والذي كان يصر دائماً ويعلّم شبابه الانضباط، كان يصر على ممارسة شرف القتال بحيث لا يسيئون الى جريح او اسير، وفيما كان يشرف على تسلّم عدد من الاسرى الفلسطينيين في معسكر تل الزعتر، بعدما كانوا رفعوا الرايات البيض استسلاماً، وقبل توجهه بلحظات الى الخطوط الامامية حيث تعتبر ارض العدو، حذّره نائبه ورفيق دربه الدائم وفي كل الجبهات، بطرس خوند وقال له حرفيا “يا شيف الموقع خطير كتير ومكشوف ومن نحو عشر دقايق استشهد لنا رفيق برصاص القناصة”. لم يبال وليم بالتحذير واجابه حازماً “لـ خايف ما يلحقني” وطبعا رافقه خوند وسعيد بو عرب، وما ان اصبح في مرماهم حتى اقتنصته رصاصة قناص من جهة تل الزعتر في الرأس مباشرة، صرخ به بو عرب “يا شيف وليم يا شيف وليم” ولم يرد وليم كان اصبح في مرمى الضوء تماماً وهو في الثامنة والستين من عمره.

استعاد اهل حاوي الحديقة التي دشنت منذ سنوات باسمه، هناك  نصب تذكاري له.  منحوتة جميلة ليست لمجرد الزينة، ليست تمثالاً، انما وحي لذكرى بطل من ابطال المقاومة المسيحية، لم تحفر فيها المعالم الجامدة لوجه عابر من دون  خلفية، لا، هي حكاية من تاريخ  ابيض جميل شفاف مشرّف رغم  كل المعاناة وكل حملات القبح والتشويه، حكاية من تاريخ انسان كتب بالدم سطراً “بكل فخر انا شهيد المقاومة المسيحية لم امت لاني اعيش في روح الابطال من بعدي”…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن. 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل