لنَعُد 23 سنة الى الوراء ونتوقّف عند تاريخ 13 تشرين 1990 ونتذكر يوم العار، يوم دخول لبنان بكامله نفق الاحتلال السوري على يد جنرال أبى إلّا ان يسطّر نهاية حياته العسكرية بطريقة مخزية بعد أن أقسم أن يقوم بواجبه كاملاً حافظاً على علم بلاده وذوداً عن وطنه لبنان.
ما ان هدرت طائرة “السوخوي”، قام “قبطان السفينة” راكضاً نحو الهاتف لللإتصال بالسفير الفرنسي آنذاك رينيه آلا وقال له بصوت مخنوق بالكاد يُسمع: “إعتبر انني هُزمت، وأطالب بوقف إطلاف النار”.
هدرت الطائرة، فلاذ بالفرار نحو السفارة ناسياً وعوده بأنهم لن يأخذوا توقيعه، وقع المحظور ووقّع جنرال “13 تشرين” على اوراق اعتماده كعماد فار تاركاً عائلته وجنود لمصيرهم المجهول، متخلّياً عن حلمه المستحيل بالوصول الى رئاسة الجمهورية.
كان الفرار سريعاً، والسقوط مدوياً، انهار لبنان القوي بعين الجنرال الضعيف، “وعون اللي جايي من الله، أصبح عند آلا”، وسقطت مطرقة عون الجبّار التي هزّ بها المسمار على رؤوس الجنود الذين تّركوا لقمة سائغة في فم جيش النظام السوري، وذُبح من ذُبح وإعتُقل العشرات.
غادر الجنرال على أنقاض الوطن نحو منفاه المخمليّ ليتنعّم بالقصور الباريسية على أنغام أغاني “ميراي ماتيو” ويتذوّق أجود أنواع النبيذ الفاخر التي يعتبرها صهره المدلّل جبران باسيل، السلاح النوعي لمواجهة التكفيريين.
أمّا اليوم في 13 تشرين 2014، ماذا بقي من ذاك 13 تشرين 1990؟
المشاهد والصور الراسخة في عقول اللبنانيين لشهداء الجيش هي هي لم تتغيّر، بل انمحت من ذاكرة الجنرال لتحلّ مكانها الصور تجمعه برئيس النظام الصانع لـ13 تشرين بشار الأسد.
بقية الكلمات الأخيرة للشهداء في آذاننا، وحُجبت من آذان الجنرال لتعلوا مكانها الأصوات الداعمة لعدم سقوط النظام السوري.
ما زلنا نسمع أصوات المعتقلين في السجون السورية، المكبّلين بأصفاد الحقد والتعنّت وعشق المناصب، ولكن حتماً الجنرال لم يعد يسمع تلك الأصوات الحرّة المعذّبة، لم يعد يسمع أنينهم أو يقرأ عنهم، لم يعد يذكر من 13 تشرين سوى كلمة تشرين وصحيفتها البعثية الداعمة لوصوله نحو حلمه المستحيل المجسّد بكرسيّ بعبدا.
لم يبق شيء سوى تلك المشاهد المقرفة لحلفائك الحاليين – جيش النظام السوري وهو يحتفل على انقاض قصر بسقوطك – مهلّلين رافعين شارات النصر من على جثث شهداء الجيش اللبناني شاكرينك على تسليمك لبنان لوصايتهم.
ها انت اليوم يا جنرال تقوم بـ 13 تشرين جديد وكن بطريقة سياسية وتدمّر قصر بعبدا عبر تعطيلك الإستحقاق الرئاسي، وإدخال لبنان في وصاية الفراغ، ها انت اليوم تكون مرّة أخرى بطلاً لتنفيذ المصالح السورية؟!
جنرال، كفّ عن الإحتفال بذكرى 13 تشرين، لأنها لم تعد تليق بالشهداء، لم تعد بمثابة ذكرة محترمة لشهداتهم بعد ان اصبحت في خندق الممانعين، لا تقتلهم مرّتين، دعهم يرقدون بسلام، وأحلام المعتقلين في التحرير والخروج نحو الحرية أصبحت كابوساً بعدما وضعت يدك بيد بشار الأسد وانت تبتسم تلك الإبتسامة العريضة التي أسقطت القناع عنك.
مهما فعلت وزوّرت وشوّهت وتصرفت وكأن اللبنانيين فاقدين الذاكرة، فالتاريخ ذاكرته قوية يدّون كل شيء، يكتب ليقرأ من سيأتي من بعدنا كما نحن نقرأ اليوم في سجلّك.
رحم الله شهداء 13 تشرين، ورحم ذاك الضمير المُستتر.
