
مهداة الى شهداء 13 تشرين والمقصود بالحائط هو ذلك المكان الذي جرت أمامه تصفية ضباط وجنود من الجيش اللبناني في 13 تشرين المشؤوم، كانوا يقاومون الغزاة البرابرة الذين لم يراعوا معاهدات الإستسلام بل صبَوا جام حقدهم بهمجيَة غير مسبوقة “طرطشت” دماء أبطال من عندنا وجه حائط حفر الدم في خدَيه أثلاماً من الحزن.
يعود الحائط في كل عام الى ذكراه فيغوص في وجع يترسَخ ويعصى على كل دواء. ويروح يتذكَر ويبكي. يتمنَى لو يستطيع أن يقتلع نفسه من مطرحه ليزور قبر من سقطوا في حضنه ويذرف ولو دمعة، هي وحدها الدمعة الصادقة في سيل الدموع الأصطناعية البلهاء التي يحاول ممتهن الهروب استغلالها لتزوير حقيقته البائسة.
يجمد الحائط بذهول أمام “لن ننساكم أبدا”، ويغضب. فهو وحده جدير بهذا الشعار، وقد بات وجوده مختزلاً به. يغضب ممن وظَف قدسية الشهادة ليبني مجداً زائفاً دفَع غيره ثمنه، يغضب من الذي استثمر سقوط النسور فلملم بعض ريشها ليموَه به سقوطه، يغضب من الذي انحرف عن واجبه العسكري أمام أوَل مخاطرة، يغضب من مدمن الهروب وتقديم الضحايا فوق محرقة العتاة الذين أصبح تابِعاً عندهم.
يثور الحائط، فهو لن يبرَئ من نطق باطلاً باسم الشهداء، وأقسم أنَه لن يترك الساح الا جثة وينتفض الحائط في وجه هذا المخادع الجاهل الذي أولم للحقد في قلبه، هذا الضال الذي وقَع عقداً ابدياً مع اللاّشجاعة، هذا الذي لم يتعلَم أنَ المناسبات السيَئة يمكن أن تصبح دروساً مفيدة، هذا “الشجاع” في التواري أمام المحن والمتبجَح بالآنتصارات الوهمية، هذا الذي سحق كرامة الوطن وأرجع المسيحيين الى عهد ثَمود، مدَّعِياً صفوة الأنبياء.
يسخر الحائط بازدراء من الذي مارس القرصنة على المجتمع المسيحي باسم طهر الدماء، وزاول التضليل البغيض الذي استمال جهَالاً أمَنوه على الكثير، فاستباحه ولم يكن أمينا حتى على القليل من ثوابته، بل استمات في تأمين تغطية مشبوهة لمشروع هدم الدولة وتحويل الوطن الى مجتمع حرب لا مكان له فيه كونه عنواناً صارخاً للهزائم.
يعود الحائط الى “مثواه” وفي وجهه صورة الرجل الممسوس، الذي زجَ الناس في أتون الأبادة، يراه، وبكل صفاقة، يضع زهراً على أقدامه، فيتمنَى الحائط لو يهدم نفسه فوق ذلك المتلوّن، علَه يغسل بذلك عاره الى الأبد.