
… وحُرر توفيق وهبة، ابن تربل الزحلاوية الذي خطفه مسلحون من عرسال، واعيد الى منزله بعد أقل من اسبوع في مقابل فدية مالية كبيرة. الكل صار يعرف تفاصيل الرواية الواقعية البوليسية تلك، والتي ضجّت بها زحلة وكل لبنان. السنة الماضية حصل أمر مشابه في المدينة اياها، خطف ابن رجل الاعمال ابراهيم صقر، طلب الخاطفون فدية مالية، نزل شباب زحلة واهاليها الى الشارع، غالبيتهم من “القوات اللبنانية”، هذه زحلة، أقفلوا الطريق بالسواتر الترابية، وجّهوا رسالة مباشرة للدولة اللبنانية بأنهم يعرفون هوية الخاطف، وانهم لن يتخلوا عن ابن مدينتهم مهما حصل ولن يتركوه لوحده يواجه عصابات الخطف والمال، بقيوا في الطريق الى حين استعادوا الطفل الشجاع والاهم انهم رفضوا دفع فدية وفرضوا هيبة وجودهم وارسلوا الى من يهمه الامر رسالة واضحة، نحن هنا حين يدق الخطر ابوابنا، نقف خلف القوى الامنية نساعدها نؤازرها صحيح، لكن “اذا دعا داع او داعش” هنا نحن ولا نموت الا واقفين…
تكرر المشهد والواقعة مع توفيق وهبة مع إختلاف هوية الخاطفين ومكان وجودهم الخارج عن سيطرة الدولة اللبنانية، نزل الشباب والاهالي، شباب “القوات اللبنانية” نعم وبكل وضوح وفخر واعتزاز، الى الشارع، اقفلوا الطريق، طالبوا باطلاق رفيقهم وابن منطقتهم وباسرع ما يكون، خافوا عليه من سكين حاد تنحر عمر الشباب فيه بعدما ظنوا بداية انهم ما سواهم برابرة “داعش” الذين اختطفوه، وتبين لاحقا انه ليس بعهدة هؤلاء انما مع عصابة مسلحة تمتهن الخطف مقابل الاموال. اذن اقفل الشباب شوارع زحلة لبضع ساعات وحولوا الطريق منزلهم. واذ وفجأة ولسبب كبير طارئ ومستعجل، مستعجل جداً، يتداعى ممثلو التيار العوني في زحلة الى اجتماع عاجل من وحي تسارع الاحداث، أقفلوا الابواب على حالهم، عقدوا خلوة فكرية عميقة كما هي عادتهم دائماً، وقفت البلاد على حدود اللهفة تنتظر بفارغ الاستعجال ما سيصدر من قرارات خطيرة ستهزّ البلاد طولاً وعرضاً. واذ، واذ يخرج المجتمعون من خلوتهم ويصدرون بيانا أقل ما يوصف بانه ثورة، ثورة حقيقية على الفساد والاجرام المستشري في أرجاء الوطن، بيان سيكون هو حجر الزاوية لبناء دستور جديد للجمهورية المشرقة علينا!!!
استهجن “التيار العوني” في زحلة ببيانه المدوي، نزول “عناصر القوات اللبنانية” الى الشارع، وقطع الطرق وأرزاق الناس “معترضين” أهلها ومانعيهم من الدخول والخروج الى المدينة ومستهترين، مستهترين بمصالح المواطنين وأرواحهم!! وبعد، انتقد البيان هذه التصرفات “الميليشوية” معتبراً ان اذا كان قيام بعض المواطنين بتحركات احتجاجية في الشارع لاجل مطالب مشروعة في وجه السلطات فهذا امر مفهوم لكن أن يتم ذلك “بأبشع الاشكال الميليشوية”، “أبشع الاشكال الميليشوية”، تعبير ثوري، بحجة اختطاف توفيق وهبة فهم بذلك يعاقبون الضحية بدلا من المجرم!!!
حقيقة تحفة، بيان أقل ما يوصف بالتحفة الادبية السياسية. وبناء عليه أطلق عونيو زحلة صرختهم المدوية بوجه الضمير العالمي النائم الغافل عما يجري، طالبوا الزحالنة خصوصاً الانعتاق من المعتقل الذي أسرتهم فيه “القوات اللبنانية”، والتعبير بشجاعة عن رأيهم ونبذ المظاهر المسيئة اليهم في هذه المرحلة الخطرة، وبلهجة جدية صرخوا بوجه الاجهزة الامنية لضرورة التعامل بحزم مع هؤلاء ورفع الصوت كي لا تبقى حياة الزحليين ومصالحهم “رهينة لغرائز البعض وأهوائهم وخيباتهم السياسية”!!! انتهى البيان.
أمر مخيف. غضب العونيين! هم خائفون من الميليشياويين لانهم اعتصموا في الشارع، “هؤلاء الزعران” كما قال الوزير “المثقف” غابي ليون. هؤلاء الزعران الذين بتحركاتهم سرّعوا باطلاق ابن ابراهيم الصقر سابقاً، والآن أنقذوا توفيق وهبة لمجرّد انهم اعتصموا سلمياً في الشارع، اذن والحال هذه سنبقى دائما “زعران” لانقاذ أي لبناني يتعرّض للخطر، عونياً كان أم قواتياً، أنتم تحتاجون الينا وهذا ما يقهركم، هذه عاداتنا نحن لا نتخلى عن ناسنا وأهلنا.
زحلة التي تجتمعون فيها تحت الشمس بقيت فيها الشمس لان “الزعران” وحين حاصرهم هولاكو السوري، أنقذوها بدمائهم لتبقوا وتكبروا انتم… وتتكبروا على النعمة. لو حصل الامر بالمقلوب ونزل عناصر من “حزب الله”، أسيادكم حلفاؤكم الى الشارع هل كانوا ليكونوا “ميليشيا زعران” يعرّضون حياة الزحالنة للخطر؟ هل كنتم لتتجرأوا أساساً على الانتقاد والاستهجان واطلاق الشتائم والاتهامات؟ هل فعلتم أصلاً يوماً ذلك عندما يقطع عنصر من “حزب السلاح” على دراجته النارية طريق المطار مثلاً، أو عندما يهاجم عناصر من الحزب اياه القوى الامنية ويحاصرونها لانها تمارس واجباتها حين تلقي القبض على مطلوب منهم، سواء أكان عنصرا أم مواطنا عاديا كما حصل منذ ايام في مغفر شبعا؟!
هل انقاذ توفيق وهبي عمل ميليشوي وما يفعله حزبكم المتواضع من حروب عمل وطني مقاوماتي؟! الم يشعل أسيادكم في الحزب حرباً، حرباً كاملة موصوفة لاجل موظف في الامن العام، نحكي عن 7 ايار، لم تصدروا يومذاك أي بيان استنكار أم لعل نحو 85 شهيداً ما بيحرزوا؟!!
نزل “الزعران” وبكل فخر الى الشارع، وانقذوا توفيق وهبة من الموت، سينزل الزعران ومن دون مزدوجين هذه المرة، الى الشارع آلاف المرات اذا ما “دعا داع او داعش”، ولا ولن يهمنا لا ما تقولون، ولا ما تنصّون من بيانات فارغة المضمون، ولا ما تبثون من أحقاد مصدرها الرئيس هو ذاك الغضب الدفين من حزب وشباب ومجتمع بأسره، امتهن الكرامة، عاش لها ولأجلها، ويموت أيضا استشهاداً لتبقى رايتها عالية عالية جداً.
انتم تعيشون غضباً مدوياً من حزب يعيش في قلوب الناس وعلى محبتها، يسكن بيوتها لانها تعزف على وتر الانسان الحنون فيه، يتسلل الى أعماقه الدفينة التي تجاور ايمانه بالمسيح وبهذه الارض، ولا نسأل هنا عن العدد، نحن كثر بحجم المحبة، كثر لاننا مؤمنون بالتراب، برائحة المطر والشجر وحرية الطبيعة والانسان، لذلك أنتم تعيشون غضباً لا ينضب، هو ذاك الغضب الذي لا يثمر حرية أو ثورة، انما غضب يثمر حسداً يودي الى الموت، موت الروح فيكم، موت العنفوان، هذه هي الازمة، هذه كل الحكاية، صرتم بلا روح بلا عنفوان، خسرتم أغلى ما تملكون، خسرتم حالكم حين خسرتم الكرامة.
