كتب أمجد إسكندر في “المسيرة” العدد 1479: “تعرفون الحق، والحق يحرركم”. المعضلة أن الحق يلعنه في البدء كثرة، ويعرفه قلة. والمعضلة الثانية أن الباطل في البدء تُقدسه الكَثرة، وترفضه القِلة. أتريد أن تعرف الحق الذي سينتصر لاحقاً؟ إبحث عن أفكار اليوم الملعونة. حياد. لامركزية. حرية فكر. وحرية اختيار الصديق والعدو! لنُسقِط هذه المسألة على مَشرِقِنا الحزين ووطننا المحزون. قبل ألفي سنة وبضع سنوات، وُصِفَتْ تعاليم يسوع بالكفر والرذيلة وهدم القيم. كان واحداً ووحيداً. قريبه يوحنا كان يصرخ وحيداً، وبعيداً في البرية. كانوا واحداً فاثني عشر فمئات. كلهم لُعِنوا وقُتلوا وصُلبوا، الى أن سادت المسيحية في مشارق الأرض ومغاربها.
وبالأمس القريب هلَّلَ محيطنا للحملات الإيمانية الإسلامية وللإسلام السياسي. آيات من القرآن تسبق كل خطاب سياسي، أو أمر إداري. ولا تنتهي نشرات الطقس إلا بعبارة “والله أعلم”، لأن فيها توقعات وعلم بالغيب! حتى مصر التي استعادت شخصيتها بالأمس القريب، لفترة طويلة اجتاحت موجات الحجاب ممثلاتها اللواتي كن يضحكن ويرقصن ويُقَبِّلن الحبيب على فمه، لا كتفه! الرسول محمد عاش ومات فقيرًا وأُمّيًا. بعض شيوخ فتاوى اليوم، يتنعمون بالمال والقصور. هو كاد يُقتل وهم كل يوم يَفتون بالقتل وقطع الرؤوس وتخوين وتهديد من لا يشاركهم رأيهم وفكرهم وعاداتهم ونظرتهم الى الحياة والماضي والمستقبل.
محمد في الأيام الأولى للدعوة، حورب ورذلته قريش ومكة، ثم انتصر بعدما اعتُبرَ كافراً! تكفيريو اليوم ما أن أطلوا على شاشة الأحداث حتى علا تصفيق الألوف والملايين. التاريخ لاذع ولا يرحم. لماذا لعنة اليوم هي نعمة الغد؟ لماذا هناك صدقية لما قاله يوما أحد أهم أدباء لبنان سعيد تقي الدين؟ “في لبنان عرفت بغلاً اسمه الرأي العام”! جاء وقت في العام ١٩٧٦ شعر المسيحيون أن كل العالم العربي والأجنبي وحتى الفاتيكان كانوا ضدهم. اليوم هذه” العوالم” وصلت الى الاقتناع نفسه الذي حذَّرَتْ منه الجبهة اللبنانية بفارق نحو أربعين سنة. بشير الجميل وما أدراك كيف صوروه في مُخيلات إعلامهم وأطفالهم؟ اليوم هم أنفسهم يذكرون شهيدنا الرئيس بعد الشهيد كمال جنبلاط وقبل الشهيد حسن خالد!!
على الضفة المسيحية المسألة ليست أفضل. شخصياً سمعتُ رجلاً يقول لمحدثه بعد حملات ميشال عون التحريضية على “القوات اللبنانية”، قبل حرب الإلغاء، بأن كل منتمٍ الى “القوات اللبنانية” يقبض من المخابرات السورية، وهو في الوقت نفسه عميل للموساد الإسرائيلي! وأن سمير جعجع ماسوني وصنيعة السي آي إي! كانت سنوات جنون جماعي: الأسد “مسمار وسيُقلع”، والمتاريس “انتشرت في دمشق” خوفاً من الاجتياح العوني. اهتز المسمار حقاً، وارتفعت المتاريس في سوريا فعلاً، ولكن بعد أن أصبح ميشال عون حليف الأسد! يا للذاعة التاريخ وسخريته المنتقِمة!
من سيئات عون هذا العطب الذي أحدثه في منهج تفكير مؤيديه. دائمًا يجب أن “ينصاعوا” لا أن يختاروا طوعاً الحق من الباطل. لو قلت لعوني قبل سنوات ما رأيك بالفدرالية؟ لقال أنها رجس من أعمال “القوات اللبنانية”. اليوم خطابهم طائفيات على أقليات على أسديات! خليط عجيب. بعد الذمية السياسية، يروِّجون لذمية عسكرية. “حزب الله” حامي جونيه. وربما سيحمل غدًا أحد مشايخ ولي الفقيه، سيفاً خازنياً على أبواب بكركي!
أحيانا يتمهَّلُ التاريخ في مساره الى الحتميات. وأحيانا كأنه يشدُّ الرأي العام من أُذُنِه، ليَفهَم ويَمشي! احمدوا الله لأن البغال لا تتناسل!