
نظّمت كليّة الفلسفة والعلوم الإنسانيّة في جامعة الروح القدس – الكسليك، بالتعاون مع مكتب مفوض رئيس الجامعة للشؤون الثقافية مؤتمراً دولياً بعنوان “على مأدبة الحبّ”، تناول مفاهيم الحب وأشكاله وألوانه من خلال مداخلات متنوّعة ألقتها نخبة من الأساتذة الأكاديميين من داخل لبنان وخارجه.
إنّ هذا المؤتمر ليس مجرّد دعوة الى “مأدبة” تُنسج عليها الرغبات ومشاعر الشغف والكره والفرح وتتقاطع وتتحالف بل هو أيضاً دعوة الى تحليل التعبير الأساسي للحاجة والرغبة، للخيالي والرمزي، ولعلاقة الكائن البشري بنفسه وبالعالم. وقد أراد المنظمون من خلاله تبيان حجم الحب في حياة الانسان ومدى مساهمته في مواجهة صراع الحضارات.

افتُتح المؤتمر بكلمة تقديم لطالبة الماستر في علم النفس العيادي رندلى مرعي التي اعتبرت أن “الحبّ هو الموضوع الأزلي الذي لطالما ناقشه الأدباء والعلماء على مرّ العصور، فهو يدعو الى التعبير والمشاركة”.
ثم تحدثت رئيسة قسم علم النفس في الكليّة المنظِّمة، الدكتورة نادين زلاقط، التي أشارت إلى أنّ “هذا المؤتمر هو بمثابة نشيد للحب واعتراف بهذه القوة الخارقة التي تحركنا. إذ يبدو حديثنا عن الحب مناقضاً للوضع المحلي والإقليمي والدولي الذي تسيطر عليه مظاهر “ثقافة الموت” من كره وعنف وإرهاب، لكننا أصرينا على مواجهة هذا التحدي بالاعتماد على القيم الثقافية والإنسانية والمسيحية، التي تنشرها جامعة الروح القدس وأردنا أيضاً أن نكون شهوداً على بناء “ثقافة الحب” ونشرها”.
من جهته، اعتبر مفوّض رئيس الجامعة للشؤون الثقافيّة، الأب الدكتور مروان عازار، أن “مأدبة الحبّ هذه تشرّع أبواب الحياة وتخلق فينا رغبة لبناء ثقافة الحب وثقافة السلام وثقافة الحياة. الحب والحياة هما طريق، وحقيقة، وسلام، وخير وجمال. وأضاف: “بالرغم من الفظائع والعنف المفرط الذي يحيط بنا، ينبغي علينا أن نتغلّب على مخاوفنا، وأن نعيش لخدمة الحب وأن نحوّل منازلنا، ومدننا، وقرانا، وأرضنا وبلدنا إلى معبد للحب. فلنكن مجانين حب، لأنّه مقابل هذا الجنون اللاإنساني، وحده جنون الحب يمكن أن يسامح”.
واختتمت الجلسة الافتتاحية بكلمة عميدة كلية الفلسفة والعلوم الإنسانية، البروفسورة هدى نعمة، التي شدّدت على “ضرورة جعل الحبّ وسيلة فعّالة تواجه العولمة ذات الطابع الدموي، وتهدئ مصادر التوتر التي انفجرت بفعل عدم المساواة بين الأغنياء والفقراء، وتسكت أشكال الإرهاب والإجرام محلياً ودولياً، وتتغلّب على أساليب الأصوليين التي تشوّه طبيعة الدين الحقيقية”. وأضافت: “أمام كل هذه الأخطار التي تهدد المجتمع، وتهزّ نظام الحياة على الأرض، تحاول كليّتنا أن تكون شاهداً على الهدف البديهي للطبيعة البشرية: الحبّ والإصرار على أنّ الحبّ هو جزء لا يتجزأ من الخطّة التي رسمها الله للإنسان”. كما اعتبرت أنّ “هذا المؤتمر هو بمثابة مقاومة اجتماعية-ثقافية، وفلسفية، وروحانية، وتربوية ونفسية، ضدّ التعصب على اختلاف أنواعه”.

ثم انعقدت جلسة عامة أدارتها رئيسة قسم الفلسفة في الكلية الدكتورة ماري فياض، التي شرحت معنى الحب في مفهوم الفلسفة، وعرّفت عن مفوّض رئيس الجامعة للعلاقات الدولية الفرنكوفونيّة والعميد الأسبق لكلية الفلسفة والعلوم الإنسانية، وأحد كبار دعائمها، الأب البروفسور جورج حبيقة الذي ألقى المحاضرة الأساسية، وعالج فيها مسألة الحب في فلسفة أفلطون في القرن الرابع قبل المسيح تحت عنوان “وليمة أفلطون، التذهّن الفنومنولوجي للحب”. من أبرز النقاط التحليلية التي حملتها هذه الدراسة المتعددة الأبعاد أن الحب في مرتبته الأولى إنما هو الوجد بجمال حسي ومادي ثم يرتقي إلى مرتبة أعلى ويتحوّل إلى عشق الروح وجمال النفس في تألّقها الأدبي، ليرحل منها إلى مرتبة حب العلوم ومطاردة المعرفة في ميادين الوجود بشقيه المادي والماورائي، ثم ينتقل منها إلى المرتبة الأسمى حيث الحب يتوهّج في ملاقاة الجمال المطلق والخير المطلق في الله بذاته الذي يحتل هرمية الوجود بأكمله.
وتخلّل المؤتمر، الذي استمر على مدى يومين، إضافة إلى مداخلات المحاضرين، شهادات حيّة حول المحن التي يواجهها الإنسان في حياته، ومشاعر الشغف لديه، قدّمها كل من أنطوان عبد الجليل، باسكال جلخ، سينثيا قسيس، طوني صوما، داليدا صنيفر، ولينا جبران، بالإضافة إلى معرض صور فوتوغرافيّة لألفريد موسى تجسدّ أوجه الحب المتعدّدة.