أغرب ما نسمعه في ظل استفحال أزمة انتخاب رئيس للجمهورية في الاونة الاخيرة – هذا الامعان من قبل مسؤولين ونواب من تيار العماد عون وكتلته النيابية – من خلال تصاريحهم في الانقلاب ليس فقط على منطق الدستور بل وايضاً في منطق الديمقراطية التي تفترض فيما تفترضه وجود منافسة انتخابية بين مرشحين او اكثر ليصل الى السدة الاولى الاوفر حظا من بين المرشحين.
اولاً: ينطلق الموقف العوني في مقاربته الانتخابات من ثابتة مبطنة احياناً ومعلنة احياناً اخرى من ان العماد عون وحده يمثل اكثرية المسيحيين – فإن نظرنا الى كتلته النيابية التي من دون شك هي اكبر كتلة مسيحية لوجدنا ان عدد النواب الذين تحتويهم الكتلة لا يعكس حقيقة التمثيل المسيحي بين “قومي” و”بعثي” وودائع نيابية لـ”حزب الله” – لا نود الدخول في اسمائها وهي باتت معروفة لدى الرأي العام بشكل واضح وجلي – وبالتالي فان الكذبة التي يمشون بها في خطابهم التعبوي والشعبوي – لا تغدو تزويراً للحقيقة اذ ان من يجب ان يمثل المسيحيين عليه ان يكون انعكاساً للضمير المسيحي اللبناني وليس مرأة لتيارات واحزاب لا تضع لبنان اساساً في صلب عقيدتها بقدر ما تدين بالولاء لدول وجهات خارجية ان في قلب دساتيرها او في ممارساتها السياسية .
وبالتالي، فإن من يتشكل منهم تكتل التغيير والاصلاح ليسوا كلهم ونكاد نقول نصفهم على الاقل – ممن يمكن الركون الى صفتهم التمثيلية الحقيقية للمسيحيين والضمير المسيحي النهضوي والسيادي والاستقلالي – ما يقودنا الى استنتاج منطقي من ان التكتل بتشكيلته الحالية يصادر حقيقة الضمير المسيحي ويختطف الصفة التمثيلية الحقيقية للمسيحيين.
ثانياً: ينطلق ايضاً الخطاب العوني من معادلة ان لا يكون هناك مرشحين الا العماد ميشال عون نفسه. فلا نفهم بأي منطق دستوري وديمقراطي وسياسي يمكن ان يمنع اي ماروني من الترشح للرئاسة الاولى خاصة متى ما كان المرشح ممثلاً لشرائح مسيحية كبيرة كمثال الدكتور سمير جعجع – كي لا نقول ممثلاً للضمير المسيحي السيادي والاستقلالي – اذا قارناه بفكر ونهج العماد ميشال عون الاقرب الى التبعية والخضوع لمنطق تحالف اقليمي ايراني – اسدي – حزب اللهي؟ وفي هذا الاطار نحيل القارئ الى الاحصاءات المنشورة في اكثر من موقع ومجلة وجريدة والى نتائج الانتخابات الطالبية والمهنية والعمالية التي سجلت في السنتين الاخيرتين تراجعاً شعبياً كبيراً لمصالح “القوات اللبنانية” وقوى “14 اذار” ومسيحييه فيما تناقصت شعبية العماد ميشال عون.
وبالتالي فان الشعبية المسيحية ليست بدورها معياراً لاعتبار العماد ميشال عون الاكثر تمثيلاً لنبض الشارع المسيحي ولتطلعات الرأي العام المسيحي اللبناني.
ثالثاً: يريدون ان يسحب الدكتور جعجع ترشيحه لتبقى الساحة خالية تماما لمصلحة العماد عون، واكثر من ذلك يقرون بالعودة الى المطابخ الخلفية للعمل على اجماع وطني على شخص العماد عون كي يتحول المجلس النيابي مجدداً الى مجرد سلطة تبصم على ما يحاك في الغرف السوداء تماماً كما في زمن النظام الامني والاستخباري السوري – اللبناني – ومع ذلك يعلنون التزامهم بالدستور وبالديمقراطية ويسمحون لانفسهم باعطاء الاخرين دروساً في الديمقراطية والتمثيل.
في هذا الاطار نشير الى ان الرئيس القوي المطلوب ان يأتي لا يمكن ان يكون الرئيس الذي يجمع في فريقه السياسي اضداد مصالح المسيحيين – اذ ان الرئيس القوي هو الذي يمثل المسيحيين لا الذي يمثل رؤية الاخرين لمصالح المسيحيين داخل الفريق المسيحي. فان كان بعضهم لا يرضى بمثيل للرئيس ميشال سليمان – مع ان الاخير جاء توافقيا برغبة وارادة “8 اذار” و”حزب الله” – فانه ليس مقبولاً ايضا بالمقابل ان يأتي للمسيحيين رئيساً على مثال الرئيس اميل لحود. فتكتلا “القوات اللبنانية” و”حزب الكتائب” النيابيين يمثلان في المنطق المسيحي الصرف المسيحيين اكثر بكثير من تكتل مسيحي فضفاض ومتعدد المصادر كما تكتل “التغيير والاصلاح” – مع ان عدد نواب التكتلين الاولين قد لا يصل في مجموعه الى نصف التكتل الاخير – ولكن مسيحياً هذين التكتلين يمثلان اكثر بكثير مسيحياً والاهم الضمير المسيحي اللبناني الرافض للتحالف مع الانظمة التي قهرته واحتلته ونكلت به ولا يزال الى اليوم يحيي سنوياً تذكارات شهدائه الذين سقطوا على يدها.
كل هذا ولم نتكلم عن المخالفات الفاضحة في الخطاب العوني الانتخابي للدستور والاصول الديمقراطية المنصوص عليها في الدستور – والذين وصلوا الى حد حوروه لتصويره على انه يبيح عرقلة انتخاب رئيس الجمهورية واسقاط الجمهورية.
هرطقات سياسية ودستورية بالجملة تطالعنا بها تلك الشخصيات… ولذلك فان المشكلة باتت في بعض المسيحيين لا في الشرق ولا في الغرب…
هرطقات الخطاب العوني حول الاستحقاق الرئاسي
المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية