ستمرّ أكثر من سنتين وسيبقى الرجل في الغياب. هو استشهد أساساً ليغيب… لكن لحظة، ثمة التباس، لم يختر بنفسه ساعة الغياب ولا الطريقة ولا المكان، اختير له كل ذلك وصار اللواء شهيداً.
لكن… لحظة اخرى فثمة التباس آخر، لا يفرح القتلة كثيراً، لا تهللوا للنصر المحقق على الشهيد وعلينا، لم تختاروا أنتم ساعة القدر ولو كنتم تظنون انكم عجّلتم به، لو لم يشأ الرب أن يحصل لما حصل ولو كان على فوهة انفجار نووي، لا تنسوا “لا تسقط شعرة من رؤوسكم الا باذن مني”، لكن ومع ذلك شاء له القدر أن يصبح شهيداً باكراً باكراً جداً، وسام الحسن ذاك الحاد الذكاء رئيس فرع المعلومات، تلك الشعبة التي كشفت جرائم وجرائم وتخرّج منها الوسام الاخر الضابط وسام عيد.
في لبنان فقط هي لعنة أن تكون ضابطاً في شعبة المعلومات وتكتشف جرائم كنا نظن انها مستعصية، لان لو في غير لبنان لكان هؤلاء أبطالاً يُحتذى بهم وبشجاعتهم، وتفتخر بهم الامّة التي ينتمون اليها، علماً ان من يصنفهم ابطالاً، اي نحن، يدخل أيضاً في خانة التخوين وفي دائرة الشك، لان اكتشاف مجرم في لبنان هو عمل جبان وخيانة للمبادئ، والتستّر على مجرم في لبنان، هو البطولة المطلقة.
اذن أشرف ريفي “مجرم متعامل” لانه هو من “ارتكب” بداية جرم إنشاء شعبة المعلومات، وهو من دفع بالوسامين الى قمّة التحدي، اذا جاز التعبير، وأمّن لهما كل ما يلزم من مساندة ومعدات، لاكتشاف قتلة الرئيس الحريري وبالتالي اكتشاف شبكات ارهابية مدعومة من سياسيين وأحزاب، فكان الاقتصاص منه بالرجلين، وسام عيد أولاً ثم وسام الحسن.
اذا تكلمنا في العاطفة نقول، نجح المجرمون في قهرنا وان كنا نتناقض في الكلام، نقول لا دخل لهم في القدر، وعندما نحكي الشهيد نلعنهم الف مليون مرة! هو الانسان الضعيف فينا تتجاذبه الاسئلة الحارة المنهكة حين يعجز عن الاقتناع او الاجابة عن سؤال واحد بسيط، نطرحه كلما سقط شهيد لنا في الجيش أو في المؤسسة العسكرية أو من شبابنا هناك أو هنالك “ليش يا ربي سمحت يقتلوه؟!” ومن أين لنا أن نعترض أو نستجوب وبأي حق ومن نحن ومن نكون لنسائل الربّ الاله عن قدرنا وقدر الاخرين؟!! حسنا أن نحب، حسبنا أن نغضب ونثور للحق والحقيقة، حسبنا أن نعيش الكرامة حتى آخر كأس، وآخر الكؤوس وأشرفها هي الشهادة والشهادة وهذا ما فعله وسام الحسن.
لن نتكلم عن مزايا الرجل، نعرفها جميعاً، أتكلم عمن حاربوا الرجل، ولا يمكن التحدث عنه من دون العبور بالرجل الرجل الآخر، أشرف ريفي، اللواء الذي أصبح وزير عدل، ماذا لا يقول ريفي علنا عن صديق عمره؟ ماذا يسامره لوحده في ليالي الشجن الشمالي الغميق؟ لو كان الحسن صديقي ولو كان عيد من ضمن شعبتي وحصل ما حصل وغُيبت الجرائم عمداً وتباعاً من بعد رحيلهما الصاخب الحزين، لكنت رحلت من هنا، واستقلت من مكاني وذهبت الى حيث يزهر النسيان!!
هذا ما يفعله قلب ضعيق لا يتحلّى بشجاعة الايمان، لكن نسي ذاك القلب أن النسيان هنا لا يزهر سوى الهزيمة وهذا ما عرفه صديق الوسامين، مسح دمعته ذاك اليوم، وضع الورود وحمل عطر اللواء الحسن معه، قال له ان امثالك لا يموتون وان ابتعدوا، اموات هم من يعيشون نشوة الجريمة وهم يظنون انهم يحييون في الانتصار، وها هم، ها هم تشلّعهم الهزائم يغربهم الموت ولا تحضنهم الارض، اي قسوة بعد اقسى من هذا العقاب؟ والتاريخ سيكتب، استشهد وسام الحسن، عاشت الجمهورية واحترق المجرمون… كلنا نشهد.
هذا ما فعله وسام الحسن
المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية