#adsense

.. من باب الخجل!

حجم الخط

لم يسبق إلاّ في حالة إسرائيل أن كشفت دولة في عالم اليوم عن نزوعها السافر إلى حماية ما تفترضه «مجالها الحيوي» ومصالحها الخاصة وطموحاتها الاسبارطية من خلال تدمير، أو المساهمة في تدمير أبنية وركائز ومقوّمات أنظمة ودول ومجتمعات مجاورة لها.

حتى في هذا الشأن الخاص بما يسمّى سياسة إسرائيل لحماية كيانها، اختلط الحقيقي بالمركّب والواقع بالتأليف على مدى خمسة عقود وأكثر. فيما اكتفى الاستراتيجيون العرب، مع انطلاق الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1975 بالركون المطمئن إلى تفسير اكتشافي عام مفاده أنّ هذه الحرب هي جزء من استراتيجية مؤامراتية إسرائيلية غربية تقوم على تقسيم المنطقة العربية المحيطة بإسرائيل إلى كيانات طائفية ومذهبية متنافرة ومتناحرة تدور في فلكها هي الكيان الطائفي الأقوى ولا تقترب منه لانشغالها بدمارها الذاتي!

والمفارقة هي أنّ تلك الاستراتيجية تُنفَّذ بعد مرور عقدَين على تخلّي إسرائيل عنها! أو بالأحرى بعد دفعها بالغصب والإكراه، إلى التخلّي عنها لمصلحة مفهوم تسووي مع الفلسطينيين والمحيط العربي أمكن إطلاقه تبعاً لانتهاء الحرب الباردة وضمور بعض وظائف الحروب بالواسطة بين المعسكرين الغربي والاشتراكي، وتبعاً لما استجدّ من أنماط تفكير وعلاقات حكمتها العولمة بكل أبعادها!

لكن حتى في ظل المعطيات الجديدة، بقيت إسرائيل تعتمد السياسات القديمة. وتشنّ حروبها ثم تطلق تهديداتها دائماً تحت ستار «الدفاع عن وجودها» و«حماية أمنها ومجالها الحيوي».. والمفارقة، مجدّداً، هي أنّها استفادت في تسويق بضاعتها العدائية من مواد أولية، دأب أصحابها، وفي مقدّمهم الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، على توفيرها لها من خلال التهديد بـ«إبادتها» واستئصالها عن وجه الأرض!

الأصعب من ذلك، هو أنّه بينما غلّفت إسرائيل وتغلّف عدوانيّتها القصوى، بالتهديدات «الوجودية» التي تتعرّض لها، فإنّ إيران تمارس بالعمق السياسة ذاتها، ولكن من دون أن تكون هناك تحديات وتهديدات «وجودية» تطالها، أكانت هذه حقيقية أم مختلقة ومصطنعة.

إيران هي الدولة الوحيدة في عالم اليوم التي يخرج فيها مَن يقول بوضوح تام، تارة أنّ «حدودها» صارت في جنوب لبنان، وتارة أنّ «إشعاع» ثورتها صار يغمر منطقة تمتد من صنعاء إلى دمشق إلى بيروت. وتارة أنّ «عمقها الاستراتيجي» يصل بين البحرين والعراق وشواطئ البحر المتوسط. وأنّ عليها «أن تحافظ على ذلك العمق بكل ما لديها من قوّة» حسب آخر وأحدث تصريح بذلك أدلى به رجل الدين الشيخ علي سعيدي المقرّب من «المرشد» علي خامنئي يوم الخميس الماضي في مدينة قُم.

في هذه الكارثة التي تعني ما تعنيه عملياً من حروب فتنوية تدميرية، لا يصحّ الجدال، إنّما انتظار ذلك التكرار الكئيب لأحداث التاريخ الجسام ولوقائعه العظمى، والتي فيها ما يفيد بأنّ سياسة الإحياء القومي كانت ولا تزال الرديف الحتمي لنظرية التدمير الذاتي، أو العنوان الأبرز لمتوالية صعود وانهيار الأمم والامبراطوريات الفعلية والموهومة والقائمة والمشتهاة!

.. ثم بعد ذلك، لمَن يشاء، يمكن استعارة «النشيد» الذي أطلقه الناطق باسم الخارجية التركية بالأمس ردّاً على تصريحات إيرانية تطال خيارات أنقرة في سوريا وغيرها.. «على إيران أن تلتزم الصمت من باب الخجل على الأقل»!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل