لا مانع لدى «الممانعين»، وهم يقولون ذلك بصوت عال، في أن ينضم العراق الى التحالف الدولي للحرب على ما يسمى «الدولة الاسلامية في العراق والشام» (داعش)، وفي أن يقبل التحالف طلب النظام السوري بأن ينضم اليه، لكنهم يرفضون بتاتاً وبشكل قاطع مشاركة وزير خارجية لبنان أو قائد جيشه في أي من اجتماعاته… فضلاً عن التلويح بامكان الانضمام اليه أو التنسيق معه في هذه الحرب. أما الذريعة، فهي أن هذا التحالف بقيادة ما يسمونه (عند الحاجة طبعاً؟!) «الشيطان الأكبر» ويقصدون به الولايات المتحدة الأميركية.
يشهد اللبنانيون هذه المفارقة – المسرحية الهزلية، بينما يعرف القاصي والداني أن طلعة واحدة من طلعات سلاح الجو الأميركي في أجواء العراق، «الممانع» بدوره، لم تبدأ الا بعد تقديم طلب رسمي من حكومة بغداد الى «الشيطان الأكبر» (ما غيرو!) لمساعدتها على وقف تمدد «داعش» في أراضي العراق بعد سيطرته على نحو 40 في المائة منها. ليس ذلك فقط، انما أيضاً بعد مناشدتها من قبل وزير الخارجية السوري وليد المعلم أن تتكرم فتبلغ نظامه، «الممانع» من ناحيته أيضاً، بطلعات طائراتها في أجواء بلاده، أقله كما قال في مؤتمر صحافي علني، «احتراماً للسيادة السورية» على هذه الأجواء. بل وأكثر، فقد استغرقت قيادة «الممانعة» في طهران في ما تسميه «صناعة السجاد»، ولم تنبس ببنت شفة حول انشاء التحالف، ثم حول عملياته في كل من العراق وسوريا، الا عندما اعترضت على احتمال دخول قوات برية تركية الى الأراضي السورية للمساعدة على منع سقوط عين العرب (كوباني)… ثم عندما ربطت، في اشارة ذات معنى، بين احتمال نجاح مفاوضاتها مع الدول الست الكبرى حول الملف النووي وبين تقدم التحالف في حربه على الارهاب.
واذاً، فلماذا يحظر «الممانعون» على لبنان دون غيره أن يدخل في التحالف، أو حتى أن يحضر اجتماعاته، مع أنه رسمياً على الأقل ليس عضواً في ما يسمى «محور المقاومة والممانعة»؟. ولماذا تقوم القيامة على حضور وزير خارجيته جبران باسيل اجتماع جدة، ثم على مشاركة قائد جيشه العماد جون قهوجي في لقاء رؤساء أركان الجيوش المتحالفة في واشنطن؟. ولماذا، بعد ذلك كله، يعلن الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله أن لبنان ليس بحاجة الى الدخول في هذا التحالف، مع أنه يعترف نصرالله نفسه يتعرض لتهديد جدي من «داعش» و»جبهة النصرة» وغيرهما من التنظيمات الارهابية والتكفيرية، فضلاً عن أنه كما يقول أيضاً لم يرسل جنوده الى سوريا الا من أجل الوقوف في وجه هذا التهديد من ناحية، ومنع تسلل عناصر هذه التنظيمات الى الأراضي اللبنانية من ناحية أخرى؟.
ليس جديداً القول ان ما أراده «الممانعون» للبنان، وعملوا له طيلة الفترة الماضية، هو ابقاؤه ساحة مفتوحة لكل أنواع الحروب الاقليمية والدولية، السياسية والايديولوجية والأمنية وحتى الاقتصادية، وأنهم يصرون على ابقائه على حاله تلك مهما استطاعوا الى ذلك سبيلاً. لا يهم بالنسبة اليهم ما اذا كان لبنان مهدداً من «داعش» أو «جبهة النصرة» أو غيرهما، أو كان من دون هذا التهديد. المهم أن يبقى الساحة التي فرضوا وجودها على اللبنانيين، تارة برفع شعار «المقاومة» ضد الاحتلال، وتارة أخرى بالقوة المسلحة، وثالثة بالتهديد بالسيطرة على لبنان كله اذا ما وجدوا حاجة الى ذلك.
ولم يكن الا في هذا السياق اعلانهم من دمشق، بمشاركة الرئيس الايراني السابق محمود أحمدي نجاد والرئيس بشار الأسد ونصرالله، ضم لبنان الى «جبهة الشعوب المقاومة للاستكبار العالمي»، وصولاً بعد ذلك الى منع انتخاب رئيس للجمهورية واقفال مجلس النواب واحتلال قلب العاصمة وجريمة 7 أيار واسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري… الى يومنا هذا، حيث لا رئيس للبلاد ولا مجلس نواب منتخباً ولا ربما حكومة شرعية اذا استمرت الحال على ما هي عليه.
في مخطط «الممانعين» أن يبقى لبنان هذه الساحة السائبة، ولذلك فهم يريدونه أن يبقى تحت التهديد الدائم، ان باسم «داعش» والارهاب التكفيري أو بأي اسم آخر، لكي يبقى لديهم ما يغطون به حقيقة مواقفهم في الدفاع عن مصالح النظامين في ايران وسوريا ومن لف لفهما.
لا يعني ذلك أنهم يخشون أن يؤدي دخول لبنان التحالف العربي – الدولي للحرب على الارهاب، أو حتى تعاونه معه، الى انهاء «داعش» وأمثاله من التنظيمات في المنطقة وفي لبنان، وبالتالي فقدان الذريعة التي يختبئون خلفها، انما فقط احتمال خروج لبنان عن نطاق سيطرتهم العنكبوتية. فمجرد أن يتعاون لبنان، أو ينسق عسكرياً، مع تحالف عربي ودولي بقيادة الولايات المتحدة، انما يضعه في عالم لم يعد «الممانعون» يتصورون أن يعود هذا البلد اليه منذ أن توهموا أنهم باتوا يهيمنون على مفاصله السياسية والأمنية والادارية بعد العام 2002.
هل من معنى للحملات الشنيعة على الجيش عندما يرون أنه تصرف على غير هواهم، ولمثيلاتها على قوى الأمن الداخلي وتحديداً فرع المعلومات، ولغيرها تارة على القضاء وأخرى على الادارة وثالثة على الدولة عموماً (صراخ «وين الدولة»؟!)، غير هذا المعنى؟.
لا يتصور «الممانعون» لبنان الا ساحة سائبة لهم، الآن وفي المستقبل المنظور على الأقل، ولذلك فهم لا يرونه الا ضمن هذا الاطار.
ومن هنا، لا مانع لديهم في أن يكونوا هم خرافاً في تحالف يقوده «الشيطان الأكبر»، فيما يرفعون أكثر من «اشارة حمراء» في وجه لبنان اذا ما فكر في الانضمام اليه.