#adsense

اختفاء زعيم

حجم الخط

في بدايات الحرب اللبنانية، سرت إشاعة في أوساط شباب اليسار، عن غرق سفينة كورية شمالية تحمل منشورات في عرض البحر، فما كان من أحد «الخبثاء» إلا أن علق بالقول إن كيم إيل سونغ بات بذلك «الزعيم المحبوب من 40 مليون سمكة»، باعتبار أن المنشورات ذهبت طعاماً للأسماك!

 

 

كان ذلك تحويراً للّقب المفضل لزعيم كوريا الشمالية ومؤسسها، باعتباره «الزعيم المحبوب لدى 40 مليون كوري» يشكلون سكان شطري شبه الجزيرة المقسمة، وكان أيضاً تعبيراً واضحاً عن استياء الشباب من نظام بيونغيانغ الذي لا تصل منه سوى منشورات دعائية مترجمة، في حين أن دولاً أخرى في المحور «المناهض للإمبريالية»، كانت تقدم مساعدات حسّية، أقلها أدوية أو مواد إغاثة وأحياناً منح تعليمية.

 

 

وفي ما يحاكي ثرثرة خلال جلسة قهوة صباحية، انشغلت وسائل الإعلام في الغرب قبل أيام، بتكهنات عن ملابسات غياب الزعيم الكوري الشمالي الجديد كيم جونغ أون عن مناسبة وطنية، مطلقة «زوبعة في فنجان» سرعان ما هدأت بظهوره متكئاً على عصا، ما يوحي بأنه عانى مما لا يعدو كونه رضة في الرجل.

 

 

وكأن الدنيا ضاقت بالأحداث حتى يصبح مدعاة للانشغال في زمن المآسي، الاختفاء المزعوم للزعيم «المحبوب» لذاك النظام الفريد في تناقضاته والذي يواصل الحكم بقبضة «ستالينية»، فيما تتوارث سلالة كيم الحكم أباً عن جدّ.

 

 

ليست تلك المرة الأولى التي يثير فيها غياب قادة أنظمة شمولية ضجة في الخارج، ولطالما كان غياب قادة عن مناسبات أمراً معتاداً في منطقة الشرق الأوسط. ودأب معارضون عراقيون في تسعينات القرن الماضي، على إثارة موضوع غياب صدام حسين عن مناسبات، فإذا ظهر بعدها، قالوا «هذا شبيهه» وليس هو!

 

 

ولعل أكثر من سجّل غيابات بين القادة العرب هو معمر القذافي، الذي دأب على الاختفاء فترات طويلة بلغت أحياناً ستة أشهر، ليظهر بعدها ويبدو على ملامحه وكأنه أفاق من غيبوبة. وما بين نزقه ونرجسيته، كانت كل قمة عربية تسبقها تكهنات عما إذا كان سيحضر، وما هي البدعة التي سيحملها معه؟ حتى قيل إن مسرحية «الزعيم» لعادل إمام استوحت بعض سياقها من غرابة أطوار العقيد.

 

 

قد يكون الاختفاء متعمداً لإضافة نوع من التشويق وكسر الرتابة المملة في المشهد السياسي في بعض أنظمة العالم الثالث، لكنه لطالما حمل مؤشرات بالنسبة إلى دول مؤثرة وأكثر أهمية، مثل الصين والاتحاد السوفياتي السابق. ومن الإجحاف في مكان، عقد مقارنة بين قادة مخضرمين من أمثال فيدل كاسترو وهوغو تشافيز، والزعيم الكوري الشاب الذي ورث عن أبيه وجده سياسة السير على حافة الهاوية، ذلك أن نظامه لا يزال يعيش مرحلة الحرب الباردة، معتمداً نهج التصعيد العسكري الدائم، بتجاربه الصاروخية والنووية التي جلبت عليه مزيداً من العزلة والعقوبات.

 

 

واللافت أن البحث عن أسباب لتركيز الاهتمام على ما يجري في كواليس السلطة في بيونغيانغ، يأتي في وقت تستعد الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية الشهر الجاري، لمناقشة «السجل السيئ» لحقوق الإنسان في كوريا الشمالية، والاطلاع على تقارير دولية وأوروبية عن «انتهاكات منهجية وواسعة النطاق»، مرفقة بتوصيات لإحالة القضية إلى منظمات قضائية دولية، مثل المحكمة الجنائية… استعداداً لجولة مواجهة جديدة لن يجد كيم خلالها من يتكئ عليه سوى الصين، الجارة الأكبر والحليف التقليدي لنظامه.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل