#adsense

في معاجننا خبز كثير يا داني…

حجم الخط

لم ينته تشرين على خير. لم يكن الموعد مع نِعَم السماء، أمطرت بدل الماء دماء. اغتالوا داني شمعون. لم يكتفوا به، كان على العيون الستة التي شهدت ورأت وسجّلت، أن تختفي أيضاً من الوجود لتصبح الجريمة كاملة، ذهبت انغريد وطارق وجوليان فرق جريمة.

كان 21 تشرين الاول وكان سبقه 13 تشرين ما غيره. كان العام 1990، وكان الاحتلال السوري صار في عمق الوطن، وكان استشهد عشرات الجنود من الجيش اللبناني على يد الاحتلال السوري، وكان هرب عون الى السفارة الفرنسية ثم الى منتجعه الباريسي الفاخر بعدما سلّم الوطن الى اميل لحود وغازي كنعان، وكان اختفى مئات الجنود اللبنانيين في معتقلات الاسد، وكان لبنان صار كلّه كلّه كلّه في فك الاحتلال السوري، وبدأ عهد حكم الاخوان رسمياً من عنجر والبوريفاج، وكان أصغر عنصر سفيه في جيش الاحتلال، يتحكّم بأعلى منصب في الوطن، بالجمهورية، وكان وكان وكان… وكان يجب تأديب داني، ذاك العنيد الذي لم يفاوض مرّة، ولو لمرة على مبادئه الوطنية الكبيرة، ولنصبح كما فعل قبلنا غير لبنانيين، أولاداً مطيعين شاطرين نأكل ونشرب وننام ونشكر الله، بعد الاحتلال طبعاً، على نعمة الهواء التي منحنا اياها!!

لا نسرد رواية اغتياله، صارت محفورة في وجدان اللبنانينن، نسرد بعضاً مما كنّا عليه يوم استشهاده. لا نسرد ميّزاته كما هي العادة في مناسبة مماثلة، للرجل تاريخه الطويل، هو من الوطنيين الاحرار ليس قولاً أو تسمية، هو فعلا كذلك، نسرد تاريخا من تاريخ قلبنا، تلك اللحظات المدوية بالعنف، بالجريمة، بالوحشية، بداعشية قل نظيرها.

 لا تقولوا الان صار عندنا داعش، عندنا منهم منذ زمن، عايشنا وحشيتهم حتى آخر قطرات دماء تسببوا بها منذ قبل ذاك الاغتيال وحتى الان، كل يوم بيومه، هي فصول، داعشيات على مرّ أكثر من أربعين عاما وبنجاح كبير، منقطع النظير. اختاروا الضحية بعناية، داني المعروف بمعارضته للجيش السوري ومن دعاة الاستقلال والسيادة من جهة، وداني الذي كان متمايزا أحيانا بمواقفه عن رفاق له في المنطقة الشرقية وتحديدا بينه وقائد القوات آنذاك سمير جعجع من جهة ثانية، فلعبوا على هذا الوتر، خططوا ونفذوا الجريمة باتقان وفي المحكمة قالوا هذا سمير جعجع…

حصل ما حصل، وخرج المتهم بطلا من اعتقال السنين، وصار رئيس أكبر وأعرق حزب لبناني، وصار مرشحا لرئاسة الجمهورية، وصار رأس حربة لكل الاحرار الذين ينشدون الدولة الحرة والجمهورية القوية، وصار أيضا هدف دواعش تلك الايام والايام اللاحقة والحاضرة، لكن في هذا الوقت صار داني في غيابه الرابع والعشرين، طارق وجوليان كانا ليكونا من بين أحل شباب الوطن يضجّون كرامة وحبّا للارض، هكذا تنبىء سيرة الوالد فلماذا يكونان مختلفين؟! ماذا حقق المجرمون من اغتيال مماثل؟ أين أصبحت شهادة داني شمعون؟

لم يحقق المجرمون شيئا، منهم من شلّعه الموت أيضا، منهم من أصبح قتيلا كسواه، ومنهم اذا كان لا يزال حرا، يسكن ظلمة لا عمق لها، من يقتل الاطفال بغريزة الوحوش، يعيش الموت بالثواني ولو كان بعد حيّا، ومن يقتل نضال الشرفاء، يغرق في جحيم النكران، هم كذلك في جحيم الجحيم، ونحن نعرفهم جميعا، الاحياء والاموات منهم، أما داني ذاك الوسيم الوسيم، لعله يعرف الان أن شهادته أثمرت ولو بعد سنين قهر، ثورة أرز لا تقارن، وان بدا المشهد الان اننا نتخبّط في عمق الاحتلالات الكبيرة الخطيرة، دواعش من داخل وخارج، لكن داني كما سواه من الشهداء، يعرفون أن من يستشهد لهذه الارض لا يحضنه تراب واسم محفور على بلاطة رخام باردة فوق قبر مهجور، انما تحضنه روح الله العابقة في التراب والمطر والغيم والشمس، وان الشهيد الذي تضمه الارض هو تلك الحبّة، القمحة ما غيرها، تلك السنبلة، المتمايلة ما غيرها، تغرق في التراب لتشمخ وتتعالى صوب الشمس فيمتلىء المعجن بالخبز. معاجننا يا داني مليئة بقمح الشهداء لذلك نحن لا نجوع ولن نفعل، انتم قوت الكرامة ومن يحيا في الكرامة يبقى حيا مثلك تماما…

خبر عاجل