#adsense

ندى عنيد جَمعت شَذرات من حياة “حكيم” عنيد

حجم الخط

من خلال حديثها إلى قائد حزب «القوّات اللبنانيّة» سمير جعجع، على مدى 18 ساعة، وأبحاث أجرَتها لمواكبة قصّته الشخصيّة وتحديد الإطار السياسيّ والتاريخيّ الذي دارت فيه، جَمعت ندى عنيد شَذرات من حياة «الحكيم» في كلّ مراحلها. وقبل إطلاق الكتاب مساء الجمعة 24 تشرين الأول، تنشر «الجمهورية» مقتطفاً حصريّاً منه، يتضمّن تفاصيل غير شائعة عن حياة جعجع وتجربته.

الطفولة في بشرّي، سنوات دراسة الطبّ في الجامعة الأميركيّة في بيروت، متاريس الحرب، مواجهاتها السياسيّة ومعاركها الدامية، سنوات السجن الطويلة، الاتهامات والأحكام، إستعادة الحرّية والموقع السياسيّ، هي عناوين الكتاب ومراحله. فصول حياة متقلّبة وصاخبة بالأحداث، جمعتها الكاتبة بين دفّتي كتاب يختصر مرحلة مهمّة ومُلتبسة من تاريخ الحرب الأهليّة اللبنانيّة التي كان جعجع أحَد أهمّ اللاعبين فيها.

ففي تمهيد الكتاب كتبت عنيد:

«حين سلّم أطراف النزاع أسلحتهم عام 1989 بعد توقيع وثيقة الوفاق الوطنيّ اللبنانيّ في الطائف التي وضعت حدّاً رسميّاً للحرب في لبنان، كنّا على اقتناع راسخ بأنّ الحرب انتهت بلا رجعة. ومهما كان هذا الاتفاق جائراً واستنسابيّاً في تطبيقه، ومهما كانت الأثمان التي ترتّب دفعها، فإنّ اتّفاق الطائف سمح لنا بالخروج من دوّامة العنف للشروع في إعادة بناء حياتنا.

أمير الحرب

أقصينا بمعظمنا – سواءَ أكُنّا من الذين بَقوا في البلاد أو الذين غادروا، أو حتّى الذين رحلوا وعادوا، أكنّا من الحزبيّين أم من الذين رفضوا قطعاً التحيّز والتحزّب – أحقادنا ومخاوفنا وأخفيناها في زاوية بعيدة من نفوسنا، وكَتمنا الكثير.

لم نطرح أسئلة على أهلنا، وحرصنا خصوصاً على ألّا نَروي شيئاً لأولادنا. باختصار، تصرّفنا جميعاً كأنّ كلّ ما حصل لم يحصل، ظنّاً منّا أنّنا بذلك نطوي الصفحة نهائيّاً. تصرّفنا جميعاً على هذا النحو، أو بالأحرى جميعنا تقريباً، لأنّ في هذه الأثناء دخَلَ رجُل السجن، وانتقل أنصاره إلى المقاومة.

لم نُعِر الخبر ما يستحقّ من أهمّية وانتباه، لأنّ «أمير الحرب» ذاك – مثلما كانت الصحافة تلقّبه – كان يجسّد في حَدّ ذاته السنوات الحالكة التي كنّا نسعى بأيّ ثمن إلى مَحوها من ذاكرتنا.

باتَ بوسعنا أن نجوب بلداً بدأنا للتوّ استكشافه من شماله إلى جنوبه، نحن الذين كبرنا وخطوط التماس مرسومة في أذهاننا. مأخوذين بفرحتنا هذه، واصَلنا العيش كأنّ قبضة الوصاية السوريّة كانت مجرّد عاقبة شِبه طبيعيّة لهذا السلام الذي انتزعناه لقاء كثير من التنازلات.

بعدها بأحد عشر سنة من ذلك، عام 2005، نزلنا معاً إلى ساحة الشهداء، عقبَ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. كنّا ثلاثة أجيال من اللبنانيّين من الطوائف كلّها، حشداً من الرؤوس السوداء والرماديّة، اختلط فيه رجال ونساء يحملون أطفالاً على أكتافهم، فتيان مذهولون وأجداد يترنّحون في مِشيتهم لكنهم على القدر نفسه من التصميم، نلوّح بأعلام ولافتات ونهتف بشعارات ما كنّا لنتجرّأ قبل أيّام قليلة على التلفّظ بها.

الآن وقد استعاد بلدنا سيادته، عادت السياسة لتغزو حياتنا من جديد. بَدا كأنّ زعماءنا، حتّى الأشدّ مغالاة في موالاتهم لسوريا، عادوا إلى المنطق وأخذوا يدعون المواطنين إلى توحيد صفوفهم وتخطّي الانقسامات المذهبيّة والأيديولوجيّة، في «عَيش مشترك» يبشّر بمستقبل ملؤه التفاؤل.

وفي غمرة هذه «الثورة»، خرج سمير جعجع أخيراً من الظلمة، بعدما غابَ عن نداء الأيّام الأولى لربيع بيروت. قيل إنّه تغيّر كثيراً، إنّ تلك المحنة، بَدلَ من أن تدمّره، جعلته أقوى لكن أيضاً أكثر ميلاً إلى التوافق، وَصَقلتهُ إنسانياً. عادَ إلى الساحة السياسيّة مُحاطاً بهالة من الغموض، ليقف إلى جانب زعماء حرب سابقين وأبناء عائلات سياسيّة وغيرهم من الشخصيّات المحوريّة في تاريخ بلادنا»…

…«اليوم، وفيما التاريخ يعيد نفسه على ما يبدو، وأسئلة الماضي التي بقيت عالقة بلا جواب، تعود لتسكُننا، شعرتُ بالحاجة إلى فهم ما الذي جرى حقّاً في تلكَ السنوات الحالكة التي عرفها لبنان. ليس هناك أفضل من سمير جعجع لتجسيد تلك الفترة العَكِرة المطبوعة بالتأكيد بالعنف والدماء والإذلال، لكن أيضاً بمآثر بطوليّة وانتصارات صغرى انتُزِعَت من القدر».

وأضافت: «حين بدأتُ تأليف هذا الكتاب، قلّما كنّا نتكلّم عن قائد القوّات اللبنانيّة. كان ذلكَ قبل أشهر من الأحداث التي دفعته إلى الصفوف الأماميّة ووضَعته تحت الأضواء. أجرى المقابلات بالانكباب والتركيز اللذين يميّزانه، مُبدياً في البداية بعض التحفّظ. لم يَشأ أن يكون، مرّة جديدة، الوحيد بين أطراف النزاع الذي يجد نفسه مضطرّاً إلى تبرير مَسار عسكريّ وسياسيّ خاضَه وسط الحرب وضروراتها.

وحده التاريخ قادر، في نظره، على إنصاف عمله وعمل القوّات اللبنانيّة. ثمّ مع تبدّد تحفّظه شيئاً فشيئاً، راحَ يتكلّم بصراحة متزايدة، لكن بما لا يجعل هذه السيرة «مأذونة» بالمعنى المعهود لهذا التعبير، لأنّ سمير جعجع لم يطرح أيّ شرط مسبّق، ولم يُعِد قراءة هذا النصّ، ولم يوافق عليه أو يُدخل عليه أيّ تعديلات قبل صدوره. وأودّ هنا أن أعبّر له عن شكري الصادق لعلامة الثقة هذه التي ترفع قيمته وتشرّفه».

مقدّمة الكتاب

…«مع مرور سنوات الحرب، وعلى وَقع المعارك الكثيرة المتتالية، تحوّل القتلة حُماةً، والحلفاء خصوماً، ورجال الإطفاء مُشعلي حرائق، والحكّام مقاتلين. ومع ابتعاد شبح العنف والحواجز والحصار والقصف والحرمان، لم يظهر أيّ إحساس بالجذل في صفوف المقاومة المسيحيّة. فذلك السلام الذي استتبّ، ذلك الهدوء الظاهريّ الذي أخرج السكّان من الملاجئ وأشاع في البلاد مظاهر حياة طبيعيّة، ليس فيه ما يبعث على الاطمئنان»…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل