
ينقسم اللبنانيون وكل من عَرِفَ سمير جعجع حول شخصه وحول خياراته السياسية والاستراتيجيّة. لطالما كان هذا الرجل مصدر جدل وتساؤلات سواء من مناصريه وأخصامه. لكن كلمة حق تُقال ان النظرة اليه تتوزّع بين “البطولة” أو “الاحترام” أو “الكره”، وتتفاوت النسب بين المؤيدين لهذه النظرة أو تلك. مهما كانت الإنطباعات حول جعجع، إلاّ انه لا أحد يستطيع إنكار حضوره ووجوده ورؤيته وصلابته وقدرته على الصمود والمواجهة حتى في أكثر الظروف صعوبة. أما أهم ما يتميّز به “الحكيم”، فهي الشجاعة في خياراته وقد ظهر ذلك في محطات عدة خلال مسيرته الطويلة.
مناسبة هذا الكلام هو عيد مولده الذي يقع السبت 25 تشرين الأول متمنين له دوام الصحة والعمر المديد. وهنا لا بد من التوقّف عند أهم المفاصل التي أظهر فيها جرأة وشجاعة فائقتين فكسب احترام الكثيرين، علماً انه لم يحظ بهذا الكمّ من التأييد الشعبي إلا بسبب التزامه بالقضيّة وانسجامه مع نفسه وما يتمتع به من شجاعة وجرأة وهنا الدليل:
أولاً، خرج جعجع من بيئة عائلية متواضعة، لا توارث سياسيّ فيها، ولم يتردد في إظهار نقمته على الاقطاعيّة والعشائرية التي كانت سائدة في مسقط رأسه بشري، واتخذ الخيار الأكثر جرأة بإنضمامه إلى العمل الحزبي بجدلية فلسفية عملية تغييرية بعيداً من الرضوخ لمشيئة الزعيم والشيخ وأولاده وأحفاده.
ثانياً، كان في طليعة المتصدين للإنفلاش الأخطبوطي الفلسطيني عام 1975، مستقياً من فكرة مقاومة الأجداد في قنوبين عقيدة زوّد بها شباب القرى الشمالية، فكان الأكثر شجاعة لإدارة دفّة المقاومة في منطقة الشمال كاسباً ثقة الشيخ بشير الجميل مؤسس “القوات اللبنانية”، مبرهناً في معارك عدة انه الأكثر شجاعة وحضوراً.
ثالثاً، لم يأت من العدم ولاء الشبان الشماليين لجعجع، فهو امتلك قدرة تنظيميّة هائلة، وفي أصعب الأوضاع وأكثرها حساسيّة زرع فيهم زخماً وجودياً وسياسيّاً وفكرياً، وكان الشمال يحتاج إلى رجل مثله “يكودر” الشباب في الثكنات وينشئ بينهم اللحمة والهدف والوعي.
رابعاً، عندما دقّ الخطر على أبواب “الجبل” وكاد المسيحيون يُنهشون من أخصامهم عام 1983، في ظلّ حرب تمييع المواقف بين الأطراف المسيحية الفاعلة، كان سمير جعجع، على خلاف ما يعتقد الكثيرون، الأكثر جرأة في الحدّ من خسائرهم، وحده أو قلّة قَبِلَت معه مواكبة مسيحيي الجبل وتجميعهم في دير القمر حيث أمضى معهم اليوميات الصعبة، وشعر بثقل الحصار عليهم، فيما كان البعض يتقاذف الاتهامات حول من يتحمّل المسؤولية، أو كان ينتظر التطوّرات الاليمة ليبني استراتيجيته.
خامساً، عندما شعر “الحكيم” بأن القرار المسيحي بدأت يفقد حريّة المبادرة وفقاً للوجدان المسيحي التاريخي، خصوصاً قرار المقاومة، كان الأكثر جرأة في المشاركة بصنع انتفاضة في 12 آذار 1985، صوّبت المسار ووضعت النقاط على الحروف.
سادساً، كان جعجع سداً منيعاً أمام محاولات سوريا في تكريس اتفاق يمنحها مكتسبات تاريخيّة، وسط موجة رفض مسيحيّة عارمة له، فكان مرة أخرى الأكثر شجاعة في قلب الطاولة على الجميع، مكرّساً المقاومة رقماً صعباً في المعادلة اللبنانية.
سابعاً، لم يسجّل في تاريخ لبنان بلوغ أي تنظيم عسكري ما بلغته “القوات اللبنانية” في فترة قيادة جعجع الجريئة لها، من تنظيم وقدرات عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وتحوّلت “القوات” مؤسسة بكل ما للكلمة من معنى، مما إنعكس، طوال عامين بين 1986 و1988، على المنطقة “الشرقية” الحرّة رخاء اقتصادياً واجتماعياً، بل تحوّلت واحة حريّة، جذبت الكثيرين وتكلّمت عنها وسائل الاعلام العالميّة.
ثامناً، يسجّل لـ”الحكيم” جرأته في قبول حكومة عسكرية برئاسة العماد ميشال عون، ومحاولته استيعاب قرارات الأخير التي كانت ترمي إلى قضم “المقاومة” وتحجيمها فيما الاحتلال السوري والمليشيات اليسارية والاسلاميّة الحليفة له لا تزال متربّصة بلبنان. وهو كان الأكثر شجاعة في مواجهة الغاء المؤسسة العسكرية، وإن كان مكرهاً أخاك لا بَطَلُ، فكان ما كان من تدمير للمسيحيين نتيجة أهواء ومشاريع شخصيّة، جعلت المسيحيين في موقع الخاسرين بعد حرب طويلة دامت 15 عاماً.
تاسعاً، سيسجّل التاريخ جرأة سمير جعجع في القبول باتفاق “الطائف”، أي الميثاق الوطني الذي أنهى الحرب، ولو على مضض، بعدما أُنهك المسيحيون وخسروا مقوّمات الصمود حين أتاح العماد عون للسوريين بتعنّته اجتياح المنطقة الشرقية العاصية، للمرة الأولى، منذ بداية الحرب. وكان جعجع الأكثر شجاعة بالموافقة على تسليم السلاح إلى الجيش اللبناني لمصلحة السلم الأهلي، وهو ما يُعرف بسلام الشجعان.
عاشراً، عندما هبّت رياح الاضطهاد والوصاية السورية على المسيحيين، كان “الحكيم” الصوت الوحيد المعارض للإنقلاب على إتفاق الطائف. وفي وقت، بدأت رسائل التهديد تتوالى اليه للرحيل أو مواجهة الاعتقال، كان قراره في ذروة الجرأة: البقاء هنا والمواجهة في سجنه الصغير، فصمد 11 عاماً أمام تعسّف جلاديه، مقدّماً أمثولة رائعة بالمقاومة السلميّة التي استفاد منها لصقل روحه وفكره وثقافته، فخرج من السجن الصغير مع خروج اللبنانيين من سجنهم الكبير. ورغم صعوبة ظروف سجنه، قاد وزوجته ستريدا الحراك الشعبي القواتي ضدّ الاحتلال وشارك من كوّة سجنه، ملهماً لثورة الأرز.
حادي عشر، مدّ يده بشجاعة إلى الشريكين الاسلامي(تيار المستقبل) والدرزي(الحزب التقدمي الاشتراكي) في تحالف عابر للطوائف، في مواجهة مصادرة “حزب الله” لقرار السلم والحرب اللبناني، ورغم انسحاب البعض من هذا التحالف، وتراخي البعض الأخر، بقي متمسكاً بموقفه، رأس حربة في الدفاع عن مبادئ “14 آذار”، مما جعل منه حجر عثرة سياسيّة أمام تمدّد المشروع الايراني.
ثاني عشر، بجرأة لا مثيل لها، أعاد بناء “القوات اللبنانية” من الصفر، فإستعادت حضورها السياسي بقوّة، مسجّلة استقطاباً شعبياً بفضل شجاعة قائدها واداء قيادييها ونوابها وشفافية وزرائها. وبشجاعة الرجال الذين قلّ نظيرهم، إعتذر في قدّاس شهاداء المقاومة اللبنانية من جميع اللبنانيين الذي اساءت اليهم “القوات اللبنانية” بأخطاء ربما قامت بها خلال اداء واجبها الوطني المقاوم، وجلّ من لا يُخطئ.
ثالث عشر، من موقعه كرئيس حزب لبناني أساسي، إتخذ “الحكيم” قراراً جريئاً بدعم الثورة السورية سياسياً، في وجه النظام السوري وإرهاب “داعش”، ايمانه منه بالديمقراطيّة وحريّة الشعوب بتقرير مصيرها.
رابع عشر، رغم تعرّضه لمحاولة اغتيال واضحة وصريحة من حيث الجهّة المنفّذة، لم يتراجع ولم ترهبه الأيادي السوداء، وبقي ملتزماً بمواقفه الرافضة للأمن الذاتي والمليشيات المسلحة، منادياً بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني فقط.
خامس عشر، كان سمير جعجع سباقاً في ترشحه لرئاسة الجمهورية، وكان سباقاً والأكثر احتراماً للبنانيين بإطلاق برنامج “الجمهورية القوية”، مطالباً المرشحين الآخرين بالمواجهة الديمقراطية مهما كانت النتيجة، مع الحاحه على الكتل النيابية للنزول إلى البرلمان وإنتخاب رئيس.
سادس عشر، مرة أخرى سيسجّل التاريخ لرئيس حزب “القوات اللبنانية” جرأته بإعلانه عن استعداده للإنسحاب أمام أي مرشّح يتفق عليه اللبنانيون، فيما بعض المرشحين الآخرين يرفضون أي تسوية تدفع البلد إلى الأمام، وتسدّ الفراغ الحاصل في الموقع الرسمي الأهم بالنسبة للمسيحيين.
سمير جعجع، هنيئاً للبنان بك رجلاً جريئاً وشجاعاً، وربما الحاضر لن ينصفك إلا ان التاريخ سيحتفل بك كل 26 تشرين الأول كبطل من أبطال لبنان التاريخيين، وغداً لناظره قريب.
