#adsense

كيروز بمؤتمر عن “الطائف”: التمييز بين المقاومة والميليشيات اجتهاد سوري للابقاء على سلاح “حزب الله” ورقة ضغط

حجم الخط

ألقى عضو كتلة “القوات اللبنانية” النائب ايلي كيروز كلمة في المؤتمر الذي نظّمه المركز المدني للمبادرة الوطنية، بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، بتاريخ 22 و23 و24 تشرين الأول 2014 في فندق فينيسيا – بيروت، بموضوع “إتفاق الطائف بعد ربع قرن على إعلانه”.

واعتبر كيروز انه في الطائف لا يؤجد اي مرتكز لتبرير قيام مقاومة، مهما كانت هويتها خارج الدولة اللبنانية وخارج الإجماع اللبناني. واكد إن مقدمة الدستور نفسه التي وضعت بعد نشوء الإحتلال الإسرائيلي بسنوات عدّة، جاءت خالية من أي إشارة الى مبدأ المقاومة والى أي سلاح خارج الدولة اللبنانية، مشيرا الى ان عنوان بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية ورد في الإتفاق قبل عنوان تحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلي، مما يعني أن سيادة الدولة لها الأولوية ويمكن أن تخدم مسألة التحرير.

وشدّد على “إن مصطلح المقاومة لم يرد أساساً في الإتفاق، وبالتالي فإن التمييز بين المقاومة والميليشيات في قراءة الطائف هو اجتهاد سوري ونتاج الوصاية السورية على لبنان للإبقاء على سلاح حزب الله كورقة ضغط على الدولة اللبنانية في الداخل وكورقة مساومة على المستوى العربي والدولي”.

وفي ما يلي مداخلة كيروز كاملةً:

إتفاق الطائف

ومعضلات الوجود اللبناني

 

  مقدمة عن الأوضاع في لبنان والمنطقة.

– يمر لبنان بمرحلة خطيرة تتميّز بشلل الحياة السياسية وتعطيل المؤسسات الدستورية، وتمدّد الحرب السورية إليه وتفاقم الأوضاع الأمنية فيه ونمو القلق العام.

– وتمر المنطقة بمرحلة مسكونة بالحروب والصراعات وانتشار دوّامة العنف وتطاحن المشاريع والرهانات.

– ويزعم تنظيم الدولة الإسلامية بأن العالم لا يتّسع إلا لحضارة واحدة، هي حضارة الإسلام، وبأن الجهاد هو الحلّ لكل الأوضاع من حولنا.

– في هذا السياق الأمني – السياسي، يأتي هذا المؤتمر عن الطائف. فهل يمكن أن نهمل هذه الأوضاع التي تشكل تحدياً كبيراً يواجه المنطقة والعالم؟

– لن أعتمد مقاربة تقليدية. ولن أدّعي التطرّق الى كل الإتفاق. سألخص الموقف انطلاقاً من محورين : الطائف ومعضلات الوجود اللبناني، والطائف وموازين القوى الداخلية والإقليمية.

I– الطائف ومعضلات الوجود اللبناني.

1- الإشكالية.

 هل يجيب إتفاق الطائف على معضلات الوجود اللبناني:

كيف يمكن أن نعيش معاً مختلفين ومتساوين؟

كيف يمكن أن نعيش معاً في الحرية والإحترام والسلام مع التعددية المجتمعية التي يمتاز بها لبنان؟

كيف يمكن أن نحوّل هذه التعددية من ذريعة للتنافر والتناحر الى دعوة للتواصل والإنفتاح والتفاعل؟

كيف يمكن أن يقدم اللبنانيون، بالرغم من تعثّرهم في تجربتهم الرائدة، نموذجاً للعيش المشترك السّوي بين أهل الديانتين، وإقامة الدليل على إمكان ما يبدو لكثير من شعوب الأرض ودول العالم أنه خارج دائرة الإمكان؟

كيف يمكن أن يتعايش في لبنان، الإسلام والمسيحية، معاً، سلمياً، بحرية ومساواة وعلى درجة واحدة من التعادل الكياني؟

إن هذا التعايش هو ما يميّز لبنان تمييزاً تامّاً عن غيره، وبدون هذا التعايش لا يوجد لبنان.

لقد أتاح اتفاق الطائف للبنان متابعة رسالته.

2- الطائف وإصلاح النظام السياسي.

لقد جاء الطائف بعد خمس عشرة سنة من اندلاع الحرب في لبنان، بعدما طرح اللبنانيون، خلال كل مراحل الحرب، أوراق عمل ومشاريع تسوية لمعالجة الإنقسام الداخلي الأعمق حول سلسلة من المسائل. وقد تمحورت المسألة الأبرز حيال ما سُمي بإصلاح النظام السياسي، الذي شكل انقساماً حادّاً في المجتمع اللبناني. فلقد أجرى الطائف تغييراً في هيكلية السلطة وتوزيعاً جديداً لها. فهل نجح في هذا الأمر بين حدّي المطالب الإسلامية والهواجس المسيحية؟ وهل أنتج صيغة حكم ومشاركة متوازنة وفعّالة؟ أم أنه أوجد خللاً جديداً في عمل المؤسسات الدستورية وانتظامها وتوازنها وتعاونها؟

3- الطائف والمسيحيون.

لقد شكل إتفاق الطائف تسوية بين اللبنانيين ومفاهيمهم المختلفة والمتناقضة، ومنها ما رافق نشوء الكيان والدولة: الكيان، الدولة، الهوية، الوحدة، التعددية، المشاركة، الإستقلال، الميثاق، العلاقة مع سوريا، العلاقة مع المحيط والعلاقة ومع العالم.

كما شكل مدخلاً ضرورياً لإنهاء الحرب في لبنان ولتحقيق المصالحة الحقيقية التي لم تتم يوماً. كما وضع الأسس لإعادة بناء الدولة اللبنانية وإعادة توحيد مؤسساتها الدستورية والإدارية والعسكرية. وطرح خطة تهدف الى بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها في إطار تثبيت السيادة اللبنانية.

ويقول بعض العارفين بأن الطائف شكل عقاباً أميركياً – سورياً للجماعة المسيحية المُمانِعة في لبنان.

ولقد كان من الأنسب لو استدرك المسيحيون في لبنان الأمر، مع أنهم حاولوا، غير أنهم تأخروا خمس عشرة سنة.

4- الطائف والعيش المشترك.

لقد حسمت مقدمة الطائف الجدل حول طبيعة العقد الإجتماعي بين اللبنانيين، فاعتبرت أن العيش المشترك، المسيحي – الإسلامي، هو في أساس هذا العقد وأن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. إن العيش المشترك هو علّة وجود لبنان وهو الركيزة الميثاقية الأساسية للكيان اللبناني. من هنا إن القيمة التي يمثّلها تتفوّق على كل القيم والمبادئ الدستورية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية التي تضمنها اتفاق الطائف. لقد أُريد أن يكون الطائف، مدخلاً لطيّ صفحة الصراعات الماضية، بين من كان يطالب، باسم العدالة، بتحسين شروط مشاركته في الدولة، وبين من كان يسعى، باسم الحرية، الى حماية الكيان اللبناني وتثبيت نهائيته.

5- الطائف وإلغاء الطائفية السياسية.

إن الطائفية السياسية هي تعبير عن التوازن بين الطوائف في لبنان. إن التوازن بين الطوائف يشكل ركيزة ميثاقية وليس تفصيلاً سياسياً بسيطاً. لقد كانت الطائفية السياسية في صلب الميثاق الوطني للعام 1943، وليست بالتالي مدعاة خجل أو مرضاً في البناء المجتمعي اللبناني. لقد شكلت فرصة حوار مستمر في إطار الحفاظ على حضور جميع الطوائف اللبنانية في هيكلية السلطة. ولقد جعلت من الديموقراطية اللبنانية ديموقراطية تعدد وتوافق لا ديموقراطية عدد وديموقراطية تكييف أكثر منها ديموقراطية تطبيق. إن إلغاء الطائفية السياسية يعني عملياً استبدال طائفية سياسية بطائفية سياسية بديلة وبالتالي العودة الى تحكيم منطق العدد.

وأنهي هنا بسؤال: هل يمكن للإتفاق أن يعيش بديناميتين متناقضتين في الوجدان والمجتمع والسياسة؟

 

 

 

II – الطائف وموازين القوى الداخلية والإقليمية.

1- الطائف والمقاومة خارج الدولة.

   – إن كل إيديولوجية دينية لا تقبل بجوهرها التعددية والتعايش بين متساوين ومختلفين.

   – في البيان الذي صدر عن حزب الله في 7/10/2014 وتبنى من خلاله تفجير عبوة ناسفة عند مرتفعات شبعا في دورية اسرائيلية، عرّف حزب الله عن نفسه بأنه “المقاومة الإسلامية”.

   – لا نجد، في إتفاق الطائف، أي مُرتكز لتبرير قيام مقاومة، مهما كانت هويتها خارج الدولة اللبنانية وخارج الإجماع اللبناني.

   – إن مقدمة الدستور نفسه التي وضعت بعد نشوء الإحتلال الإسرائيلي بسنوات عدّة، جاءت خالية من أي إشارة الى مبدأ المقاومة والى أي سلاح خارج الدولة اللبنانية.

   – إن عنوان بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية ورد في الإتفاق قبل عنوان تحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلي، مما يعني أن سيادة الدولة لها الأولوية ويمكن أن تخدم مسألة التحرير.

   – لقد أكّد الإتفاق على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها الى الدولة خلال ستة أشهر. ولم يأتِ الإتفاق بأي استثناء ولم يميّز بين مصطلح المقاومة ومصطلح الميليشيا. بل إن مصطلح المقاومة لم يرد أساساً في الإتفاق، وبالتالي فإن التمييز بين المقاومة والميليشيات في قراءة الطائف هو اجتهاد سوري ونتاج الوصاية السورية على لبنان للإبقاء على سلاح حزب الله كورقة ضغط على الدولة اللبنانية في الداخل وكورقة مساومة على المستوى العربي والدولي.

   – إن الإجتهاد القائل بأن المقصود بكافة الإجراءات اللازمة للتحرير يعني المقاومة، لا يستقيم واقعاً وقانوناً، ويتناقض مع التمسك باتفاقية الهدنة ومبدأ بسط سيادة الدولة على جميع أراضيها، علماً أن الفقرة “ج” من البند الثالث لم تُشِر الى أي جهة غير الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية في الجنوب ولا الى أي سلاح خارج الدولة لتأمين تحرير لبنان.

   – ويقول د. زهير شكر في كتابه “الوسيط في القانون الدستوري اللبناني” أن حزب الله استطاع إخراج نفسه من موضوع حلّ الميليشيات التي اعتبرت أنها أُنشئت لغايات النزاع والصراع الداخلي وأن مسوّغ احتفاظه بسلاحه هو مقاومة اسرائيل وتحرير الجنوب، خاصة بعد أن قرر كتم شعاره الداعي الى إنشاء الجمهورية الإسلامية.

2- الطائف وسوريا.

 لقد وضع اتفاق الطائف أسساً لعلاقات لبنانية – سورية نديّة، في إطار سيادة واستقلال كلّ منهما من دون أن يرتقي الى مستوى التحرير الكامل. غير أن سلطة الوصاية السورية تمكنت من تحوير مضمون الإتفاق وتعطيله والإنقلاب عليه. وقد قام صراع بصورة مبكرة بين اللجنة العربية الثلاثية وسوريا حول “موضوع السيادة اللبنانية وانسحاب الجيش السوري من لبنان”، مما حدا بالملك المغربي الحسن الثاني الى “التهديد بإصدار بيان منفرد يندّد بالموقف السوري الذي يرفض الإعتراف بسيادة لبنان”. لقد ساعدت التطورات الدولية والإقليمية سوريا للحصول على ضوء أخضر غربي يغطي احتلالها للبنان، فأقدمت على إحداث انقلابات خطيرة داخل الحياة العامة اللبنانية:

انقلاب على الحياة الدستورية باغتيال الرئيس رينيه معوّض، وانقلاب على الحياة البرلمانية بانتخابات العام 1992، وانقلاب على الحياة السياسية بنفي العماد ميشال عون واعتقال الدكتور سمير جعجع لأسباب سياسية ، وانقلاب على الحياة الديموغرافية بفرض مرسوم التجنيس، وانقلاب على الحياة العسكرية من خلال إعادة بناء القوات المسلحة اللبنانية والأجهزة الأمنية وفق عقيدة قتالية تُحكم الربط بين البلدين والمسارين والجيشين، وعلى أسس مانعة للحرية والسيادة. هكذا تحوّل الطائف من طائف عربي ودولي الى طائف سوري، ومن وسيلة لتنظيم خروج الجيش السوري من لبنان الى وسيلة لتشريع الإحتلال السوري في لبنان وتأبيده.

3- الطائف والقوات اللبنانية.

لقد انتهت الحرب في لبنان بسقوط المناطق المسيحية في القبضة السورية بعد خمس عشرة سنة من المقاومة. لقد عزم الرئيس حافظ الأسد على إخضاع هذا “اللبنان الصغير” بالنسبة الى سوريا الذي لا يُطاق والذي يجسّد بحريته وازدهاره، نقيضاً صارخاً لسوريا.

غير أن القوات اللبنانية رفضت أن تذعن للمشيئة السورية واستمرت سياسة المواجهة، بعد سياسة المقاومة، رغم الإنقلاب التام في موازين القوى الداخلية والإقليمية والدولية، ورغم ضيق الخيارات أمام القادة اللبنانيين الإستقلاليين. من هنا اصطدمت سوريا بموقف القوات المعارض لسياستها وبدأ منذ خريف العام 1990 حتى شباط من العام 1994 مسار نزاعي إضافي بين سوريا والقوات اللبنانية وفق آلية واضحة: كلما اعترضت القوات أو احتجّت، مطالبة بحسن تطبيق الطائف، بادرت سوريا الى توجيه ضربة لها، وصولاً الى افتعال متفجرة كنيسة سيدة النجاة في 27 شباط 1994.

لقد رفضت القوات اللبنانية التوقيع على معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق، ورفضت اتفاقية الدفاع والأمن المشترك، ورفضت المشاركة في الإنتخابات النيابية في صيف العام 1992 في سياق الخطة السورية لإنتاج طبقة سياسية جديدة في لبنان.

من هنا قررت سوريا بكل بساطة الإقتصاص من القوات اللبنانية وسعت من خلال الإضطهاد والقمع والتنكيل الى تركيع المسيحيين السياديين ومحاكمة مقاومتهم التاريخية وخياراتهم في الحرية والسيادة والإستقلال.

وكان “العالم الحر”، في كل ذلك، يمارس لعبة التفرّج وغض النظر عن إطباق القبضة السورية على لبنان، واحتضار الوطن النموذجي الصغير، ومعاناة الجماعة التي تحلم بالإستقلال بحسب قول الأب سليم عبو، ويعطي سوريا تفويضاً شاملاً في لبنان.

لقد شكلت تضحيات القوات اللبنانية خلال كل هذه الحقبة، مقدمة لانتفاضة الحرية في 14 آذار 2005.

الخاتمة

   أود في النهاية أن أستعيد كلاماً للأب ميشال حايك يتجاوز تفاصيل النظام السياسي ومعادلة توزيع الحصص:

” إن التعمق في دراسة الميثاق الوطني، يتطلب تجاوز الحقبة الإنتقالية التي شكّلها الإستقلال. في الحقيقة إن الميثاق الوطني سابق لسنة 1943، وكان واقعاً منذ الأمير فخر الدين. لماذا يرفض البعض أن يتذكر ذلك؟

يجب التخلي نهائياً عن اعتبار الميثاق تسوية صادرة عن مصطفى نحاس أو بشارة الخوري أو رياض الصلح. إنه في الحقيقة الحدث الوجودي الأساسي الذي من دونه لا وجود للبنان ولا للبنانيين. ويكمن جوهر الميثاق الوطني على هذا المستوى وكل ما سوى ذلك عبارة عن مضامين زائلة ومتغيّرة.”

ويعرض الأب ميشال حايك الأبعاد والمعاني الثلاثية التي يرتديها الميثاق الوطني مستعيداً ما كتبه بهذا الخصوص في مؤلفه “المسيح لبنان وفلسطين” :

“في البدء يرتدي الميثاق الوطني معنى شخصانياً: إنه التزام ليس فقط بين طوائف وقبائل، بل بين أشخاص مسؤولين متمتعين بحرية الإرتباط وبإرادة الإلتزام وتشريف التعهدات.

ومن جهة ثانية، يرتدي الميثاق الوطني معنى حضارياً وهو التعبير عن المشاركة في ثروات العِرق واللغة والإرث الثقافي المتراكمة هنا منذ آلاف السنوات (…).

ومن ناحية ثالثة فإن للميثاق الوطني بعداً ومعنى لاهوتياً، إذ يطرح الميثاق في الزمن الحاضر مشكلة العلاقات بين الديانات، وخاصة بين الديانتين المسيحية والإسلامية.

للمرة الأولى تمّ الإلتقاء بين الديانتين على قدم المساواة، لا في مواجهة أو كردّة فعل دفاعية، بل في ميثاق يربطهما معاً.

إن المسيحيين والمسلمين اللبنانيين يمثلون أكثر من مليار ونصف مسيحي ومسلم في العالم، أي ما يقارب نصف سكان العالم(…)، فإذا فشلت التجربة كما فشلت سابقاً في كل لقاء في الأندلس وأفريقيا وبيزنطية وآسيا الصغرى والبلقان، فإن هذا الإخفاق يشكل دليلاً ثبوتياً أمام العالم على تخلّف الديانات ومدخلاً الى الإلحاد الشامل.”

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل