إن ننسَ فلن ننسى: …ونام بيار في حضن نيسان

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1439:

لا  يرحل شهيد من قلب قضية وإن رحل. لأجلها يذهب. فإلى أين يمضي في الرحيل وإن أوغل فيه. لا يرحل شهيد من قلب أمه ولو  مضى على  الرحيل دهر. بيار البعيني ما زال يسكن غرفته، تلك الثكنة الصغيرة في البيت المدروز إيماناً، حيث البزة الخضراء ما زالت معلقة في مكانها تتشمس من وقت الى آخر تحت شمس نيسان، ويلفحها عطر بيار دائماً ليبقى الشذى عبق المكان.

  

كما كثر، ترك بيار البعيني الجامعة ليتلقن فنون النضال عندما تحولت الأرض الى استباحات بالجملة، وعدو شرس يقف عند الأبواب. كان يعشق الطبيعة، يحب رائحة  الأرض ويتغنى بها. في مكان ما من حاله، كان يعرف أنه سيكون شهيداً ولن يشهد على نهاية الاحتلال في لبنان، لذلك كان في كل ما يفعله  يوحي وكأنها خطوته الأخيرة، نضاله الأخير، معركته النهائية،  فيندفع حتى النهاية، علّ النهاية تكون لأعداء لبنان. “ع الأرض قتلوني وبرصاصة رميوني ورفقاتي لـ سبقوني نطروني بالسما” كان يردد هذا النشيد عفوياً وباستمرار أمام رفاقه، وكانت تعجبه القفلة “رفقاتي نطروني بالسما”! غريب كيف ينتظر الشهيد قيامته  قبل إعلان موته.

 

من الكشاف المقاوم تدرّج  بيار سريعاً ليصبح مقاتلاً شرساً في صفوف فرقة “الصدم”. “الصدم” ما غيرهم، حيث لم يكن يجرؤ آخرون سواهم، وصار نزيل الجبهات. من بيروت الى الكرنتينا وصولاً الى  القليعات وأعالي جرود اللقلوق عيون السيمان، قبل أن يتزاوج جسده مع تراب الجرد في جبال كسروان، في تلك الحرب ما غيرها، حرب الإلغاء.

كان العاشر من نيسان العام 1990. الزهر يجتاح الأرض، لكن في غير مكان، كانت الدماء أيضا عبق ذاك الربيع القاتل. في الشهادة تصبح رائحة الدماء عطراً، نحن نعطّر شهيدنا بدموعنا أولاً، ثم نمسح دماءه عنه ودموعنا عنا ونمسح بها وجه يسوع لنشهد بموتنا لقيامته.

كان مركزه في أعالي وادي كفردبيان يدافع عن الناس ممن حوّل البندقية الى وسيلة للقتل وليس للنضال الشريف في سبيل الوطن. حاصروه، كثر كثر، عذبوه ثم قتلوه وتركوه وحيدًا في المكان إلا من عطر دمائه التي أزهرت كرامة.

استشهد حيث يحبّ، في أحضان الطبيعة، وعبق التراب من دمائه وكأنها أول مطرة في تشرين عطشان الى نبع السماء. كان من الصعب الوصول إليه بسبب كثافة النيران أولاً، وبعدما تعمّد مهاجموه إخفاءه في أماكن غير منظورة إمعانا في إذلاله. لكنه ما لبث أن عاد مكللاً بالشهادة ورُفع فوق مذبح لا يليق إلا بأمثاله، وهم كثر كثر في مقاومة شاءت أن تجعل من الحب والحب وحده أقنومًا ثالثاً في منظومة الكرامة والوطن، وبهذا الأقنوم تعمّد ناسها وتتعمد يوميًا.

“سقطت وردة الربيع”، هكذا أطلق عليه رفاقه في الكشاف الاسم في ذكرى ميلاده، بعد مرور أربعة أشهر على استشهاده، حيث احتفل “أبو الخشب”، كما كان يحب أن يُلقب، مع رفاقه من فوق بربيعه الثاني والعشرين. لم يطفىء شمعة  بل أضاء لهم من فوق شموعًا كثيرة، من بينها شمعة لا تنطفئ ولا تذوي ولن تفعل، شمعة اسمها لبنان، لأجلها ما عاد بيار يكبر في عمره بيننا إنما صار في حجم أرزة عمرها من عمر الأرض وليس أقل…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن. 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل