
يستمر نهج التعطيل من طرف “8 اذار” والعماد ميشال عون ويستمر معه غياب رئيس للجمهورية، ولكن ان اخطر ما يسجل في هذا الملف الاسلوب المخالف للدستور وللمفاهيم البرلمانية الديمقراطية في انتخاب رئيس للجمهورية وفق الآتي :
اولاً: من جهة العماد ميشال عون وفريقه السياسي، فإن التعطيل يستند الى نظرية رفض الترشيحات كافة باستثناء ترشيح عون، فلكي يتم انتخاب رئيس الجمهورية يجب ان لا يتقدم احد للترشيح الا عون نفسه .
فأي ترشيح من طرف اي فريق اخر يعتبر بنظره وفريقه السياسي وحلفائه وفي طليعتهم “حزب الله” عرقلة لانتخاب رئيس للجمهورية .
هذا الفريق السياسي وحلفاؤه بانتهاجهم هذا الاسلوب في موضوع استحقاق خطير ووطني بحجم استحقاق انتخاب رئيس للجمهورية انما يخالفون احكام الدستور والاعراف البرلمانية والديمقراطية – اذ ان الدستور ولا سيما المادة (49) منه يتكلم عن “انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الاولى ويكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي …”
فالمشرع الدستوري عندما يتكلم عن انتخاب – واقتراع – ونصاب للانتخاب والفوز بالرئاسة الاولى، انما يؤكد ان رئيس الجمهورية يأتي نتيجة تنافس ديمقرطي برلماني، ما يفترض تقدم مرشحين او اكثر ليتم اختيار من ينال الاغلبية الدستورية والقانونية. وهذا يعني بالتالي ان منطق فرض مرشح واحد من خلال الضغط على سائر المرشحين لمنع ترشيحهم او لسحبه انما يخالف الدستور نصاً وروحاً .
كذلك عندما تشير المادة الدستورية الى الاقتراع “السري”، فهذا يفترض قانوناً ان لا يعرف الفائز الا نتيجة فرز الاصوات – لا ان يعلن كل نائب – ناخب اسم مرشحه علناً الامر الذي يتنافى مع منطق الاتفاق مسبقاً على مرشح واعلانه والطلب من مجلس النواب اعطاء بصمته على انتخابه الامر الذي يخالف الدستور والتقاليد الديمقرطية والبرلمانية .
فالعماد ميشال عون وفريقه السياسي يحاولون خلق سابقة ثابتة في طريقة المجيء برئيس للجمهورية لا تتناسب مع احكام الدستور وروحية نصوصه، سيما وان تجربة 2008 التي من المفترض اعتبارها استئنائية لا تصلح مثالاً لتعاد الكرة. كل مرة نريد انتخاب رئيس للبلاد خاصة واننا امام ازمة دستور وثقافة دستورية تتيح بكل المحرمات والضوابط وتخلق دستوراً عرفياً موازياً للدستور المكتوب الامر الذي يجب ايقافه وعدم الاستمرار في القبول بتمريره تحت اي ظرف ولاي سبب …
ثانياً: اننا حالياً وفي مواجهة فريق سياسي متمثل بالنائب العماد ميشال عون وفريقه السياسي وحلفائه امام ازمة ضمير سياسي ووطني، لا بل امام مؤامرة انقلابية على الدستور والنظام ككل. فتتعالى الاصوات همساً حيناً وعلناً احياناً اخرى بوجود نية لا بل قرار لدى فريق “8 اذار” وعلى راسهم العماد عون و”حزب الله” بتغيير النظام واسقاط الطائف. علماً انه ومن الناحية الدستورية اي تغيير للنظام يفترض تعديل دستوره ولتعديل الدستور احكام واضحة نجدها في المادتين (76) و(77) من الدستور، فضلاً عن اجواء وظروف ابعد ما تكون حالياً عن التوافق السياسي والوطني العام لاجراء اي تعديل في النظام واللبنانيين عاجزين حتى على انتخاب رئيس لجمهوريتهم المتهاوية. وبالتالي، فان عرقلة انتخاب رئيس الجمهورية تبدأ بمخالفة الدستور ومنطق الانتخاب واختيار المرشح الاكثر حظاً ولا تنتهي باعتماد نهجا سياسياً انقلابياُ – بقوة التعطيل والاستمرار في نهج اما ما نريد واما فلا بلد ولا دستور ولا مؤسسات ولا رئيس للجمهورية – يسعى في خضم الفراغ الدستوري واشتداد التأزم السياسي في البلاد الى طرح مبادرات تتخطى انتخاب رئيس للجمهورية لنتحول الى اعادة بحث في نظام لبنان ما يقودنا حتما الى طرح “حزب الله” لهيئة تاسيسية جديدة تضع نظام جديد للبلاد .
هنا حقيقة عرقلة انتخاب رئيس الجمهورية وحقيقة المعرقلين ونواياهم واهدافهم … وهنا الخطر الحقيقي على لبنان… من ابنائه الذين اتخذوا القرار باسقاط كل شيء على مذبح طموحاتهم واهدافهم…
يريدون رئيس جمهورية، ولكن فقط وفق ما يرونه وما على كل اللبنانيين الا الموافقة …
يريدون نظاماً على شاكلة مصالحهم، وما على اللبنانيين الا الموافقة غير المشروطة …
يريدون ديمقراطية ولكن على طريقتهم – فلا يحق لاحد الا لمن يريدونه الترشح – ولا يحق الا لمن يرتاحون اليه – على طريقة الغرف المغلقة والصفقات السوداء كما في ايام طبخ الحلول في الخارج او في مكاتب الاستخبارات واقبية الاستبداد الامني – وتفريغ المؤسسات الدستورية من معانيها وتعطيل ادوارها …
