إذا كان الخليفة ابو بكر البغدادي والولي الفقيه علي خامنئي يُزمعان على إقامة إمارةٍ جهاديةٍ في لبنان كُلٌ على طريقته، فيُنصّبان لهذه الغاية “أميراً” من هنا، او “امين عام” من هناك، فإن نظام الأسد سبق ان حاول إقامة إمارةٍ من نوعٍ شبيه، قوامها التكفيرية المخابراتية الترهيبية، مُنصبّاً على رأسها “السيّد” جميل.
ولكن لسوء حظّ نظام الأسد، أن شخصاً اسمه سمير جعجع وُجد مع رفاقه في لبنان، ليقفوا سدّاً منيعاً بوجه إقامة “إمارة” كهذه، تماماً مثلما وقفوا ويقفون في وجه مشاريع الهيمنة والإحتلال والتكفيرية التي عصفت وتعصف بلبنان، منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم.
عندما كان سمير جعجع، في الـعقد الثاني من عمره، يقاتل جحافل التكفيريين القادمين من الصومال وليبيا واوغندا والسودان وسوريا و”فلسطين”، في اميون وعين عكرين والكورة، ثم في قنات وغيرها، كان السيّد جميل وامثاله خائري القوى، لا حول لهم ولا قوة، وقد احالوا انفسهم على التقاعد باكراً جداً.
وعندما كان سمير جعجع يُلبي نداء الوطن والواجب فيهّب للدفاع عن اللبنانيين بوجه الموجات التكفيرية الأولى، كان اقصى ما يقوم به السيد جميل في تلك الفترة، هو إبعاد بعض الصحافيين والفضوليين من امام قصر منصور في المتحف، غداة جلسة انتخاب الرئيس الياس سركيس.
وعندما كان سمير جعجع يدفع من عمره في زنزانةٍ إنفراديةٍ تحت الأرض، ثمن معاندته ومقاومته الإحتلال الأسدي ونظامه الأمني، كان السيد جميل يمسح الجوخ “لوالي عنجر” ويتمرجل على بعض الفتيات والفتيان امام قصر العدل في 7 آب.
“داعش خطر وجودي ع سمير جعجع قبل لبنان، هني حاكمينو إعدام قبل ما يجو”، هذا ما قاله جميل السيّد لقناة “المنار” مساء الجمعة الماضي.
فعلاً، لقد دبّ الذعر في قلب سمير جعجع، وارتعدت فرائصه، ولم يبقَ له سوى حزم حقائبه والهرب بإتجاه اقرب سفارةٍ ممكنة.
ولكن السؤال: هل صار جميل السيد بوقاً داعشياً مُجنّداً في خدمة الحرب الإعلامية الاستباقية التخويفية التي تخوضها “داعش” في المنطقة، فيُهدد بتطبيق أحكام الإعدام الداعشية تارةً، ويتوقّع غزو “داعش” لكسروان ومعراب تارةً اُخرى؟
غريب امر قوى “8 آذار” وابواقها الدعائية، فهي تدعّي تارةً بأن سمير جعجع يتحالف مع التكفيريات ويُروج لنظرية “فليحكم الإخوان”، وتارةً اُخرى تقول بأن الهدف الأول للتكفيريات هو إعدام سمير جعجع!!!
“حاكمينو اعدام قبل ما يجو”!! ولكن هل نسي جميل السيد أن “داعشيين اسديين” اخطر من داعشيي البغدادي، حكموا سمير جعجع بالاعدام والمؤبد عشرات المراّت، اثناء وجودهم هنا في لبنان، وليس “قبل ما يجو”، ثم ارادوا “إعدامه” قنصاً بالفعل، وليس افتراضياً، ومع ذلك لم يتزحزح الحكيم عن مواقفه وصلابته قيد انملة!
فهل تُرهبه اليوم تهديداتٌ مُبطّنة، وأحكامٌ إفتراضية، تُطلقها ابواقٌ من بقايا الحقبة الداعشية الأسدية المتهالكة؟!!
“إذا انسحب حزب الله من سوريا داعش بتوصل ع غدراس وبيقطعولك راسك يا سمير جعجع”!! لا يزال جميل السيّد يعيش في “زمن غدراس”، عندما حاصر هو واسياده مقر “القوات اللبنانية” فيها، قبل ظهور “داعش”، ثم اقتادوا سمير جعجع منها، آملين بـ “قطع رأسه”، قبل ان تبدأ داعش بقطع الرؤوس… ولكن السحر انقلب على الساحر، فخرج سمير جعجع سجيناً سياسياً من غدراس، ليعود زعيماً وطنياً الى معراب…
فليتنبّه جميل السيّد جيداً بأننا اليوم في زمن معراب، وليس غدراس.
والسؤال: اين كان “حزب الله” عندما هاجمتنا جحافل التكفيريين طيلة العقود الماضية؟ وماذا كان ليحّل بـ”حزب الله” وببيئته الحاضنة، لو لم تمنع المقاومة المسيحية المنظمات الفلسطينية من إقامة الوطن البديل في الضاحية وبعلبك والجنوب وغيرها؟ وهل كان “حزب الله” ليُفلح بمجرّد حماية بلدتين شيعيتين صغيرتين كاللبوة والنبي عثمان مثلاً، لو لم ينجح ابطال الجيش اللبناني البواسل بصّد الهجوم في 2 آب الماضي؟
إذا كان “حزب الله” يمتلك القدرة التي تخولّه شن الهجمات داخل سوريا، ودحر “الجماعات التكفيرية” مثلما يدّعي، فلماذا لم يُسخّر هذه القدرة للدفاع عن الحدود اللبنانية وليس للهجوم داخل الأراضي السورية، علماً بأن من يملك قدرة الإنتصار في الهجوم، يملك عادةً، اضعافاً منها في الدفاع.
هذا يدل الى ان ذهاب “حزب الله” الى سوريا لم يكن بهدف الدفاع عن لبنان، وإنما بهدف الهجوم على المعارضين السوريين، دفاعاً عن بشار الأسد.
ولكن، لا هو انتصر في الهجوم، والدليل وجود الآف المسلحين على تخوم الحدود اللبنانية والقرى الشيعية في البقاع، ولا هو نجح في الدفاع، والدليل تلطيّه خلف القوى الشرعية اللبنانية اليوم، ومحاولة الزجّ بها في معاركه مع المسلحين، حفاظاً على ما تبقّى له من ماء الوجه.
لو استطاع “حزب الله” الدفاع عن لبنان، مثلما يحاول جميل السيد الإيحاء به، لما كان يتلطّى اليوم خلف القوى الشرعية اللبنانية، مراهناً على شجاعة وكفاءة العسكريين للدفاع عنه، وعن بيئته الحاضنة بالدرجة الأولى.
يذرف جميل السيد دموع التماسيح على خطر التكفيريين، ولكن إذا كان ثمّة من يجب تحميله مسؤولية ظهور هؤلاء بالدرجة الأولى، فهي قوى “8 آذار” والعملاء الصغار الدائرين في فلكها تحديداً، والذين اغتالوا رموز الإعتدال السني بدءاً برفيق الحريري ووصولاً الى محمد شطح، وحاولوا إسكات إعلام الإعتدال بدءاً بإطلاق الصواريخ على تلفزيون المستقبل وصولاً الى حرق مبنى وصحيفة “المستقبل” في 7 ايار، وحاولوا إفراغ الساحة السياسية السنيّة من معتدليها، بدءاً باختراع قضية شهود الزور لإقصاء سعد الحريري عن الحكم، وصولاً الى مخطط سماحة-الأسد القاضي باغتيال بعض مشايخ الإعتدال السنّي بهدف إثارة الفتنة الطائفية، وإيجاد فراغٍ على الساحة السنيّة لصالح قوى التطرف.
الفارق بين “القوات اللبنانية” وبين “حزب الله” وابواقه، هو ان “القوات” تراهن على الجيش اللبناني وتُقّر بفضله في حماية لبنان، امّا “حزب الله” فهو يتصرف كالجاحد، لأنه يراهن على الجيش اللبناني في سرّه، ولكن ينكر ذلك في العلن، ويُعوّل على الجيش للدفاع عن قرى البقاع الشمالي في السّر، ولكن لا يريد الإعتراف بفضل هذا الجيش في العلن.
فليُخيّط جميل السيّد إذاً بغير هالمسلّة، وليتوقّف عن هذه المرجلات الفارغة، لأن لبنان بلدٌ صغيرٌ جداً، والكل يعرف بعضه جيداً، لومهما حاول طرفٌ من الأطراف نسج هالةٍ من الأساطير والخرافات و”القدسية” حول نفسه… لغايةٍ في نفس ديكتاتور.