تونس جارة لليبيا مثلما لبنان جار لسوريا. والبلد الصغير المطل على وسط المتوسط ليس جزيرة معزولة عما حوله فهو يتأثر بمحيطه المجاور مثله في ذلك مثل البلد الصغير المطل على شرق المتوسط. على الحدود التونسية تدور رحى حرب اهلية دامية على الارض الليبية لا تقل هولاً عن الحرب الدائرة في جوار لبنان على الارض السورية. عمر هذه الحرب يعادل عمر تلك. واذا كان الاقتتال في ليبيا على اساس جهوي وقبلي مغطى بعناوين علمانية واسلامية، فإن الاقتتال في سوريا مغطى ايضا بالعناوين نفسها لكن جوهره الطائفي حاضر لا محالة. والقاسم المشترك الآخر بين هذا التقاتل وذاك، هو زخم التدخل الخارجي في كل منهما وطغيان مصالح الدول الكبرى على مصالح الشعبين السوري والليبي، وان كان الصراع على سوريا له اولوية في الحسابات الاستراتيجية، وتاليا فإن ارتدادات ما يجري في سوريا على محيطها يتعين الا يكون اكثر خطورة من التداعيات نفسها المترتبة على جيران ليبيا واولهم تونس.
لبنان منذ بدء الازمة السورية، محتجز في غرفة العناية الفائقة خوفا من ان تتسبب الامراض السورية التي تفشت في جسده الهزيل اصلا، بجلطة في دماغه المعطل عن التفكير، أو بانفجار قلبه الضعيف. هو لا يكاد ينجو من منعطف خطير حتى يجد نفسه امام حافة هاوية، حينا بسبب امواج المد المذهبي الآتي من خلف الحدود لتتلاطم مع تلك الداخلية، واحيانا تحت ضغط الارهاب الكاسح للكيانات والمعادلات.
تونس، التي بزغ الربيع في أرضها، رفضت أن يأتي الخريف سريعا. قاومت الاحتضار الذي أصاب ربيع الآخرين. رفضت الانتظار في الحجر الصحي مثلما فعل لبنان، علما ان في بيئتها ما هو خصب وملائم لامتصاص السموم الليبية على انواعها. صحيح ان لا مكان للطائفية في تونس ذات اللون الواحد، لكن الشرخ بين اسلامييها والعلمانيين كبير. التكفيريون لديها ليسوا حالة عابرة، اذ لم تكفهم جبال الشعانبي والصحارى لتنفيس عنفهم بل تصدّروا المهاجرين الى سوريا للقتال وتصدرت نساؤهم لوائح جهاد النكاح. ويقابل هؤلاء رهط من اللادينيين الاستئصاليين الذين لا يقلون بطشا. والجيش التونسي ليس كجيش مصر وليس في امكانه الاطباق على “الاخوان” كما اطبق جيش السيسي على رابعة.
تونس بانتخاباتها امس تسمع العالم صوت اكثريتها الراغبة في التعايش والتداول السلمي للسلطة، وتثبت مرة اخرى انها على قدر التحدي، بينما لبنان البلد الديموقراطي العربي الاول يفشل في هذا الامتحان مرات ومرات ويكاد يسقط في مهب الفتنة او في قبضة الارهاب. تونس لم تنقذها مظلة الحماية الدولية ولا التراضي الاقليمي ولا قوة الجيش ولا التاريخ الديموقراطي، أنقذها فقط وعي شعبها وإدراكه العميق ان الاقتتال يدمر ولا يبني اوطانا. شعب تونس أشطر منا.