كتبت فاطمة حوحو في “المستقبل”: اختبار جديد تمر به طرابلس، وتنجح في تجاوز قطوع إغراقها في جولات جديدة من القتال، أو إخضاعها لإرادة مجموعات إرهابية تأتمر بالخارج. طرابلس لم تغادر موقعها في كونها مدينة العيش المشترك، ومساندتها لأجهزة الدولة وقواها الشرعية، وفي تأكيدها رفض أي سلاح في المدينة، او الاعتراف به، غير سلاح الجيش اللبناني والقوى الأمنية. وهي تتطلع إلى تنفيذ المشاريع الإنمائية التي وعدت بها من قبل القيادات السياسية، وأن العملية الإنمائية واستتباب الأمن ونجاح الجيش في مهامه في فرض سلطة الدولة، تتطلب أولاً وأخيراً النأي بالنفس وعدم غرق مجموعات لبنانية في الحرب السورية لمصلحة مشاريع إقليمية لا تمتّ للمصلحة اللبنانية بصلة.
ولأن طرابلس تعرف طريقها، فهي رغم الأحداث التي تمر بها، لا تزال مصرة على إظهار وجهها المدني، وعلى عقد اللقاء الجامع لإعلان ثوابت طرابلس الوطنية، الذي كان من المفترض أن يعقد يوم السبت الماضي في فندق «الكواليتي إن»، واضطر القيمون على تنظيمه إلى تأجيل انعقاده بسبب الأحداث الأخيرة.
وفي هذا المجال، يقول عضو اللجنة التحضيرية للقاء، جورج دروبي، ان «الجميع مصر على عقد اللقاء، وإن هدأت الأوضاع سيكون يوم الخميس وإلا تأجل قليلاً أيضاً. فالأحداث الأخيرة زادت من ضرورة عقد المؤتمر وليس إلغاءه، وهو مناسبة من أجل أن تؤكد كل القيادات الطرابلسية المدعوة، على اختلاف انتماءاتها السياسية والقيادات الروحية والمجتمع المدني من نقابات وجمعيات ومؤسسات تربوية واقتصادية واجتماعية وتيارات، أن طرابلس لا تحمي أي ظاهرة متطرفة، وليست بيئة حاضنة للإرهاب، وما يشاع في بعض وسائل الإعلام كذب ونفاق. ظاهرة وجود مجموعات مسلحة هي ضيقة جداً، وكان بالإمكان معالجة الموضوع عبر استكمال الخطة الأمنية، وهو ما يحصل الآن. فالأمور انتهت، ويبدو أنه كما جرى عندما نفذ الجيش خطته الأمنية، إذ اعتقل قادة المحاور لدى تطبيق الخطة الأمنية بعد جولات القتال التي حصلت ما بين جبل محسن وباب التبانة، وسلّم البعض أنفسهم للدولة، وهو ما يمكن أن يحصل اليوم. فالأمر كان يحتاج إلى قرار حاسم لتسوية الأمور، وهو قرار يتخذه الجيش فقط، ويعرف متى يمكن أن يطبق»، ويؤكد أن «ضرورة عقد اللقاء تتزايد اليوم، لأنه جزء من عملية إنقاذ طرابلس، وسيؤكد على اعتبار أن الجيش اللبناني هو الوحيد الحامي لأهل المدينة، ويجب تسهيل دوره في حفظ الأمن. فنحن نريد طرابلس خالية من السلاح، وهو مطلبنا كمجتمع مدني، كما لا نريد سلاحاً بيد أي قوة سياسية، نريد السلاح فقط بيد الجيش اللبناني».
وإذ يشيد بالجهود التي بذلها مفتي طرابلس الشيخ مالك الشعار في المبادرة والتحضير والعمل لهذا اللقاء، يؤكد أن «للشعار دورا وطنيا وأساسيا، ومروحة علاقاته كبيرة، ويعمل بشكل حثيث على عقد اللقاء».
ويلفت إلى ان «طرابلس تعرضت لهجمة إعلامية تضليلية، أرادت وضعها في خانة الإرهاب، بينما أهل المدينة لا علاقة لهم بهذه الصورة. فأهل طرابلس لا يحتضنون إلا الجيش، ولا يريدون إلا الدولة، وهم بكل مكوناتهم الطائفية والسياسية يريدون الحفاظ على العيش الواحد. واللقاء مناسبة لتأكيد هذه الثوابت سياسياً، كذلك هناك أمور لا بد من طرحها في اللقاء، تندرج تحت عنوان تنفيذ المشاريع الاقتصادية والإنمائية، من نوع التعويض على المتضررين، وتنفيذ مشاريع إنمائية، مثل مصفاة طرابلس ومطار رينيه معوض، وهي أمور مقرة، تخلق فرص عمل أمام الشباب وتوظف طاقاتهم في عمل منتج وإيجابي. والمقررات التي ستخرج عن اللقاء، ستعلن في مؤتمر صحافي. نحن ننتظر استقرار الوضع، وسنبدأ العمل فور الانتهاء من اللقاء، حيث ستشكل لجان متابعة لتنفيذ المقررات. المهم أن يستقر الوضع الأمني لتؤمن سلامة الحضور، ولا سيما للمشاركين من خارج المدينة».
وتقول نقيبة موظفي المصارف في الشمال ونائب رئيس اتحاد موظفي المصارف في لبنان، مهى المقدم، ان «اللقاء حاجة، ولكن لديّ سؤال عن مصادفة انعقاد اللقاء مع انفجار الوضع في طرابلس، وأنا أشك في أنه كان مقصوداً، ذلك أن البعض لا يريد الخير للمدينة، ولا يريد رؤية المرجعيات الطرابلسية ملتقية على العيش الواحد والثوابت الوطنية». وتلفت إلى «محاولات إلباس طرابلس لباساً ليس لها، وتصويرها أنها مدينة حاضنة للإرهاب لأهداف معينة». وتشير إلى أن «أهل التبانة ليسوا إرهابيين، وقرارنا ليس بيدنا، فحزب الله يمسكنا من رقبتنا، ولا يرغب في سماع صوتنا، وإعلامه سعى إلى تصوير أهلنا في التبانة وكأنهم مع «داعش» أو «النصرة»، ونحن لا نجد ذلك موجوداً على الأرض، ففي التبانة فقر وتعتير وظلم، وبالإمكان حل المشكلة في منطقة تمتد كيلومترين وتعدادها معروف، عبر صيغة لمساعدة أهلها وفتح أبواب رزق يحتاجونها، لأن الفقر قد يولد العنف. إنهم يشعرون أنهم طرف ضعيف ومهملون في الدولة، وجناحهم مكسور، لذلك لا بد من فتح باب للأمل لهم عبر فتح مؤسسات واستثمارات لتشغيل الناس وتخليصهم من البؤس».
وتؤكد أن «اللقاء اليوم حاجة لإعادة التأكيد على العيش المشترك وعدم تخويف المسيحيين بشائعات لا أساس لها، ولغايات وأهداف خارجية، يروّجها الإعلام عبر إظهار المدينة وكأنها هي فقط هذه الجماعات المتطرفة التي لديها مخططات، ويهمل البقية. فكم عدد هؤلاء نسبة إلى أهل التبانة أو طرابلس؟». وتضيف: «لقد أثبتت الأحداث التي جرت في التبانة وبعل محسن أن لا مشكلة بين الأهل. الآن الأوضاع مستقرة وابن باب التبانة يجلس على «بسطته» بجانب ابن جبل محسن. ويحاولون اليوم إيجاد مشكلة بين السني والمسيحي، تحت عنوان «داعش» أو «النصرة»، وهو أمر مفتعل. فالمسيحيون في المدينة على علاقات تاريخية مع باقي أهلهم في المدينة، وهم في منازلهم ومؤسساتهم، ولا يريدون المغادرة، بل متمسكون بعيشهم المشترك مع الجميع، واللقاء مناسبة للتأكيد على ذلك من جديد».