ما بين الوطن والدّولة

ما دار في طرابلس وما يدور وما سيدور بعد من حوادث إنّما يرتبط بشكل مباشر بهيكليّة الدولة اللبنانيّة ومدى فعاليّتها على أرض الوطن. فإلى متى سيبقى الوطن بلا دولة والدّولة بلا وطن؟

إشكاليّة من طرفين اثنين، لكن تحمل أبعاداً لا متناهية الأطراف. فحوادث طرابلس مرّة جديدة كسابقاتها، كشفت من جهة، قصور الدّولة كسبب لوقوعها، ومن جهة أخرى، أثبتت مدى فعاليّة الدّولة في مكافحة ومواجهة كلّ الشّرور التي قد تعترضها. لذلك لا يتحدّثنّ أحدٌ بعد اليوم عن ضرورة وجود سلاح رديف لسلاح الدّولة، ولا حتّى عن سياسة خارجيّة واستراتيجيّة ترسم للدّولة من قبل غيرها.

كذلك أحداث طرابلس كشفت مرّة جديدة، مدى الاهتراء الذي وصل إليه الوطن بتركيبة صحيح أنّها جامعة في الشّكل، إلا أنّها في المضمون، باتت بحاجة الى إعادة صياغة من جديد. فالوطن بشكله الحالي لا يحتمل البقاء، لكن لا يحتمل طرح تبديلات دستوريّة أو مؤتمرات تأسيسيّة بوجود سلاح وقرار استراتيجيّ غير سلاح الدّولة وقرارها، لأنّه وبكلّ بساطة في ظلّ عدم التّكافؤ الموجود، فالغلبة للأقوى، والأقوى هنا، من يملك القرار لا السلاح، الا أنّه في هذه الحالة مالك السلاح  يسيطر على القرار.

المطلوب واحد، وكلّ مقترحات الحلول هي لذرّ الرّماد في العيون ولضخّ السمّ في الأنوف ليس أكثر. إلا أنّ “حزب الله” لن يسلّم سلاحه بالتّراضي كما أقدمت “القوّات اللبنانيّة” وسلّمت سلاحها منذ عقدين ونيّف من الزّمن. فـ”القوّات” آمنت بالدّولة بحدّها الأدنى، إلا أنّ “حزب الله” لم ولن يؤمن الا بالدّولة التي تشبهه وتمثّله وحده دون سواه، لذلك وبكلّ بساطة لن يسلّم سلاحه للدّولة الموجودة.

من هنا، الوطن بات بحاجة الى إعلان، قد يكون متمثّلاً في إعلان بعبدا، واعتراف جديد يُبنى على أساسه العقد الاجتماعي القديم – الجديد بين جميع أبنائه. فالصّيغة التي تحدّث عنها اتّفاق “الطائف”، أي اللامركزيّة الاداريّة والسياسيّة الموسّعة على أساس المناصفة بين المسيحيّين والمسلمين، هي ما يرفضه “حزب الله” وحلفاؤه في قبولهم بصيغة الوطن. لذلك لم يجاهر فيها على رأس الإشهاد، بل دفع بحليفه البرتقالي الى المناداة بها والتسّويق لها وسط شارعه البرتقالي. فالعجب العجاب اليوم أنّك تصادف مسيحيّاً مؤمناً بتراث كنيسته، يتحدّث بلسان فارسيّ الانتماء وشرقيّ الهوى. في حين أنّ الامتداد المسيحي اليوم، يبدأ من روما الكثلكة ولا ينتهي في انكلترا والولايات المتحدة البروتستانتيّتين. يعني ذلك، لكأنّ المسيحيّ اللبنانيّ ذاهب الى الحجّ والنّاس في طريق العودة.

أمّا الدّولة اللبنانيّة الموعودة فلا تقوم من دون رأس. فرئاسة الجمهوريّة هي أولويّة الأولويّات، وكلّ تمديد للمجلس النّيابي، لو فرضته ضرورة ما، فهو مرفوض لأنّه يقوّض العمل الديمقراطي السليم. فالدّولة لا تقوم بأنصاف الحلول، كيف لو حاولوا تقويمها بأرباعها وأخماسها وأسداسها.

قدّمت “القوّات اللبنانيّة” مرشّحاً للإنتخابات الرّئاسيّة، ولمّا لم تقابل بالمثل، إمّا لغياب الجرأة عند الآخرين، وإمّا خوفاً من الخسارة وقلّة ثقة بالنّفس أولاً، وبالحلفاء ثانياً، عرضت “القوّات” التنازل عن مرشّحها مقابل الاتّفاق على اسم ثالث. فالرّفض بق سيّد الموقف. والرّفض هنا لم ينبع من مصدر وطني بل كان منبعه من خارج الحدود وتحديداً من إيران عبر سوريا وأزلامها في لبنان.

والهدف من كلّ ذلك، بالتّعاون والتّنسيق الكاملين، وذلك مقابل حرب “حزب الله” في سوريا، الثّمن الذي سيقبضه، لن يكون الا إحكامه السيطرة على كلّ لبنان الدّولة والوطن. من هنا، نفهم لماذا “حزب الله” يقف متفرّجاً في صراع الدّولة مع البؤر الأمنيّة التي كان “حزب الله” في مرحلة ما مؤسّساً لها، ولو بطريقة غير مباشرة من خلال فرض وجود ما له بتأسيس ما عرف بسرايا المقاومة.

فات كلّ هؤلاء أن مثل هذه المشاريع أفشلتها “القوات اللبنانيّة” يوم كانت فتيّة ومن دون خبرات، لا في القتال ولا في السياسة حتّى. أما اليوم فليحذروا من “القوّات” التي تملك كلّ شيء ومستعدّة للتضحية بكلّ شيء، ليبقى لبنان حلم البشير الـ 10452 كلم2 ولنبقى أحراراً أسياد أنفسنا فيه. كما رفضنا المساومة طيلة أكثر من ألف وأربعمئة عام، هكذا نحن اليوم نرفض أن نساوم، ومن تسوّله نفسه على المواجهة فليعلم أنّنا لن نموت الا واقفين وللمقاومة جاهزون، ويكفيه فقط أن يعود الى كتاب التّاريخ المكتوب بحبر مضرّج بالدم والذي يمنع صدوره. وكما لم نسمح للدّولة بأن تسقط في الماضي البعيد والقريب، لن نسمح لها بالسقوط اليوم. وكما أنّنا ناضلنا أكثر من الف وأربعمئة عام لنصل الى لبنان الكيان، مستعدّون اليوم بأكثر من ألف وأربعمئة مرّة للدّفاع عن هذا الكيان. وليسمع من يحلو له السّماع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل