كتب عمر ابراهيم في “السفير”: قلبت التبانة يوم أمس صفحات من الماضي، فاستعادت ذكريات الحرب الأليمة التي عصفت بها في الثمانينيات من القرن الماضي عندما كانت تشهد شتى أنواع المعارك وتدفع الثمن باهظاً لخلافات الكبار على أرضها وبدماء فقرائها وأرزاقهم.
لكن ثمة فارقاً كبيراً بين مواجهات الأمس ومعارك اليوم، سواء في السياسة أو في الأمن، فإذا كان أبناء التبانة مقتنعين بأنهم منذ الثمانينيات وحتى جولة العنف رقم 20 التي وضعت أوزارها هذا العام، كانوا يدافعون عن أنفسهم من الاعتداءات التي تطالهم في ظل مؤامرة إقليمية عليهم، فإنهم مقتنعون أيضا بان التبانة دفعت هذه المرة ثمنا باهظا في معركة استثنائية مع الجيش لم يكن لها أي هدف او عنوان او شعار. معركة وضعتهم في جبهة مستحدثة اكبر من طاقتهم، ولا تمت إلى وطنية المنطقة ومبادئها وتعاطيها مع الدولة، رغم حالة الطلاق القائمة بينهما منذ عقود.
ويقول احد المتضررين لـ«السفير» إن «هناك مئات الشعارات في التبانة يمكن القتال من اجلها، بدءا من جبل محسن وصولا إلى كل الحرمان والإهمال والفقر والبطالة والتسرب المدرسي»، مؤكدا في الوقت نفسه ان أحدا من أبناء التبانة لم يكن يعلم لماذا حصلت هذه المواجهة وبهذه الطريقة، ولم يكن أحد يتوقع حجم الأضرار التي نتجت عن الساعات العشر من المواجهات والتي توازي كل الأضرار التي نتجت عن جولات العنف العشرين مع جبل محسن.
قد يقول البعض ان حجم الدمار في المنطقة ومعاناة النازحين والأهالي، الذين ما زالوا بداخلها وكانوا ينتظرون من الحكومة مشاريع تنموية لمحو اثار جولات العنف وليس صدقات من بعض التيارات السياسية، اقل كلفة من بقاء هذه المجموعات في التبانة وتمددها وفرض سيطرتها. ربما ذلك صحيح، لكن فات هؤلاء ان التبانة تاريخيا لم تحصل على الحد الادنى من حقوقها، والامثلة على ذلك كثيرة، آخرها التعويضات المفترضة للمتضررين عن جولة العنف الاخيرة قبل ستة اشهر، والتي ما تزال في أدراج المسؤولين، فضلاً عن أن اضرار مواجهات الامس استطاعت ان تتخاوى مع اضرار الثمانينيات. الامر الذي يعطي مؤشرا سلبيا عن كيفية اعادة ترميم ما تهدم والمدة الزمنية للقيام بذلك، والاهم التعويض المعنوي لعشرات الالاف الذين دفعوا ثمنا باهظا جراء جولات عنف ومعارك وإشكالات طوال هذه السنوات.
بالأمس بدت الأحياء التي شهدت المواجهات المسلحة أشبه بمنطقة منكوبة، تركها أهلها على عجل، ولم يبق فيها الا من تعذر عليه الخروج أو فضّل الموت على النزوح الى مدرسة أو النوم خارج منزله، وكان من أكثر المرحبين بدخول الجيش والأمل يحدوه بمشاهدة بقية مؤسسات الدولة الإنمائية تجتاح هذه المناطق لرفع آثار المعارك وغبار الحرمان عنها.
في سوق الخضار عند المدخل الغربي للتبانة، لا مظاهر للحياة، بالرغم من أن معظم أبواب المتاجر مفتوحة وتعرض سلعها من الخضار والفواكه، ولكن من دون وجود أصحابها الذين كانوا اضطروا فجر الأحد الماضي الى مغادرتها بعد اندلاع الاشتباكات، تاركين وراءهم بضائع اتلفت وتبعثرت على الطرقات.
المشهد في هذا السوق ليس سوى صورة مصغرة عن حجم الخراب في الاحياء المحيطة به والمؤدية الى مسجد عبد الله بن مسعود الذي كان مقرا للمجموعة المسلحة، مرورا بساحة الاسمر حيث دارت اعنف المواجهات، وهو ما جسده حجم الدمار في المنازل والسيارات والمحال والبنى التحتية.
قد يكون من السابق لاوانه الحديث عن حجم الخسائر المادية المباشرة التي طالت المنطقة، لكن ما هو مؤكد ان خسائر من نوع اخر طاولت الاف العائلات التي اضطرت للنزوح الى قراها او منازل الاقارب في طرابلس، ومن بينهم المئات ممن لا مكان لهم سوى الشارع او المدارس التي جرى فتحها لهم وباشرت «جمعية العزم والسعادة» تأمين متطلبات النازحين لحين تدخل الهيئة العليا للاغاثة واستلامها هذا الملف.
عائلات آثرت أمس العودة إلى محيط مسجد عبد الله بن مسعود، مؤكدة أن عودتها هي دليل على قناعتها بعودة الامن، الا ان اكثر ما يلفت النظر هو تلك الطفلة التي كانت الى جانب والدتها لحظة دخول الجيش الى المسجد المذكور لتفتيشه والبحث عن المطلوبين. كانت الطفلة تجلس أمام منزلها المواجه لباب المسجد وقد انهك النعاس عينيها، بسبب عدم قدرتها على النوم ولو لساعة واحدة خلال اليومين الماضيين.
ثمة عبارة قد تكون مشتركة بين كل أبناء التبانة ممن آثروا البقاء أو ممن عادوا إليها أمس هي: «آن للحروب في منطقتنا أن تنتهي».