
كتب أمجد اسكندر في “المسيرة”: ما هي القضية التي يَستشهِدُ من أجلِها جنود الجيش اللبناني، منذ سنة وسنتين وثلاثة؟ لا بل السؤال الأعمق والمشروع: منذ اندلاع الحرب اللبنانية قبل نحو أربعين عاما والى اليوم، “مِنْ أجل ماذا”؟ و”مِنْ أجل مَنْ”؟ يسقطُ شهداء الجيش اللبناني. هل كلهم سقطوا من أجل “دولة” واحدة؟ ومن أجل “ذات الدولة”؟ باختصار، يمكن القول إن جنودَنا الذين قُتلوا في سبيل واجبٍ، وحَّدَهم الإستشهاد، وفرَّقتهم “الدولات” التي استشهدوا في ظِلالها، وأحياناً بين أطلالها!
مريرٌ جدًا هذا الواقع. جنودٌ بواسل يَستشهدون منذ أربعينَ عاماً، وبقدْر ما هم شهداء، هم أيضًا ضحايا “الدولة” أو “الحكومة” أو “الشخص” أو “النظام” الذي من أجله يُقتلون! في هذه الحال المعقدة، كل جندي استشهاده مُضاعف. إنه موت لكنه “بإستشهادَين”.
مريرٌ جدًا أن يكون أحياناً استشهادهم موضع خلاف. شهداؤنا هم “قتلى” عند قسم لا بأس به منا!
المثل الأشد مرارة يأتي من تجربة عون. أجبر جنوده أن يحاربوا في ١٢ تشرين، ثم طلب أن يؤدوا التحية العسكرية لمن يحاربون، في ١٣ من تشرين نفسه!
ولأنه هنا هو “شهيد”. وهناك هو “قتيل”. أرى أن شهادته أكثر سُموّا ورُقياً من الأسباب أو القضية أو “الخطة” التي من أجلها مات. أحيانا تموت من أجل قضية لا تريد أن تَخسرَها اليوم، وأحيانا تموت من أجل قضية يجب أن تربحَها بعد عشر أو عشرين سنة! كل شهداء الجيش اللبناني، ومنذ أربعين عامًا الى اليوم، هم يموتون من أجل ما يجب أن يكون عليه مستقبلنا! إذا كانوا يموتون لحاضرنا ويومياتنا، فهذا استشهاد بائس! واذا كانوا يموتون من أجل نجاح “خطة أمنية” هنا، وإفشال تظاهرة هناك، فأنا أحمد ربي لأن ابني ليس عسكرياً، ولأن صديقي العسكري جُرِحَ ولم يستشهِد!
مَنْ منكم يقبل أن يموتَ كرمى هذه الطبقة السياسية؟ مَنْ منكم يفتخر أن يُقال عنه أنه استُشهِدَ من أجل هذا النظام. هذا “الطائف”. هذه الحكومة. هذا النائب. هؤلاء المدراء العامين. هذا الزعيم. هذا القاضي. هذا المُحافظ. هذا السمسار.
إذا كنتم لا ترضون بأن تمسَّكم شوكة بسبب هؤلاء، فلماذا بهذه الحماسة الغبية تهللون لموت جنودنا من أجل هؤلاء “الهؤلاء”؟
ماتوا ليحيا لبنان. وحدها هذه الكلمات الثلاث هي الصحيحة. والباقي دجل. وكذب. واستغلال. وغباوة. جنودنا شهداء لبنان الوطن، الفكرة، المرتجى.
إنهم شهداءٌ لوطن يجب أن يولدَ بعد حين. إن لم ننظر بهذا المنظار الى تضحياتهم، فهذا يعني أننا نشارك في جريمة قتل! لا تدعوهم يموتون من أجل هدف، أصلاً هو ميت!