Site icon Lebanese Forces Official Website

في الطريق الى زحلة

“نحن شعب يعتني بالحرية وينمّيها على أنها أعز ما لدى الانسان. وهذا يعني انكم لن تجدوا عندنا حقائق مصطنعة، تفاصيلها مجمَّعة ومفروضة ومبهمة.

لماذا لبنان؟ لماذا لا بد من أن يبقى في الشرق الأوسط بلداً ليس ككل بلدان المنطقة؟ لماذا هذا الجبل الذي يُدير ظهره الى الصحراء، المنتصب جداراً أمام القادمين من الغرب، الباحثين عن الذهب الأسود؟

بلد اللبن والعسل، والربيع الدائم، هذا صحيح. لكن لبنان هو ايضاً بلد الآف المشاكل، أرض قاسية، صخرية بمجموعها، فقيرة بمواردها الطبيعية، وشعبٌ مهدَّد في استمرار، متكرِّس للجهد الدائم و العذاب والتضحية”.

– الرئيس بشير الجميل في مؤتمر التضامن العالمي الاول مع لبنان في 2 نيسان 1982

في 2 نيسان 1981 كانت الوضع العسكري على الشكل الآتي:

“حرب حقيقية ألهبت تلال زحلة وأحياءها وأوقعت 8 قتلى وعشرات الجرحى ودمرت منازل، بناية انهارت في حوش الأمراء وحوصر 30 في الملجأ”.

المصدر والتاريخ: النهار، 3 نيسان 1981

وهكذا كانت تصل التقارير الى غرفة العمليات المركزية في المجلس الحربي في زحلة عن حشود سورية مدرعة على تلال زحلة وقصف عنيف على شوارعها ومنازلها حيث كان سبق لـ”القوات اللبنانية” ان ارسلت تعزيزات عسكرية من “المغاوير ووحدات الدفاع”، وخوفاً من اقفال طريق جرد عيون السيمان – زحلة الشريان الوحيد الذي يربط المناطق المحررة في زحلة.

قرر الشيخ بشير دعم المقاتلين الموجودين في المدينة بالعديد والعتاد، فأوكل المهمة الى الدكتور سمير جعجع قائد جبهة الشمال حينها للصعود الى زحلة ودعم العمليات الحربية ضد السوريين الذين كانوا يقصفون المدينة ويحاولون الدخول اليها. ولكن كان عسكر الحكيم منتشراً على جبهة الشمال حينها مقابل السوريين من البربارة غرباً في منطقة جبيل حتى تنورين شرقاً وهي جبهة واسعة تحتاج للكثير من الشبان، فقرر الاستعانة بـ”قوات” منطقة جبيل للصعود مع الحكيم الى زحلة.

استدعى الشيخ بشير طوني ابي يونس المسؤول العسكري لـ”القوات” في منطقة جبيل حينها وتداولا بتجهيز مائتي مقاتل من اصحاب الخبرات للصعود مع الحكيم الى زحلة. وهكذا عاد طوني ابي يونس الى منطقته، اوعز الى المسؤولين العسكريين بالتحضير للمهمة وعكف كل مسؤول على تحضير العديد المطلوب وفق الامكانات المتاحة وهكذا جهز العدد المطلوب أي مائتي مقاتل. ومن أجل هذه المهمة عقد اجتماع بين ابي يونس وجعجع في القطارة وناقشوا التفاصيل من ناحية العديد والعتاد. فأخذ جعجع على عاتقه تجهيز المقاتلين بالسلاح والذخيرة للمهمة وحددت ساعة الصفر في صباح 4 نيسان 1981 عند العاشرة صباحاً واتفق على التجمع في قيادة منطقة جبيل العسكرية الكائن في المدينة. وعلى الاثر توافد المقاتلون من جميع قرى منطقة جبيل بحماس لمساعدة الزحالنة في حربهم ضد السوريين، فكنت ترى في بعض الاحيان “اخوين يتسابقان للذهاب الى المهمة والذي يُمنع من الذهاب كان يشعر بالغضب ويترجّى المسؤولين للسماح له بالذهاب، “هذه هي المقاومة اللبنانية سباق للتضحية بالذات على مذبح الوطن”.

بعد اكتمال العدد المطلوب توجه الجميع بباصات الى مغارة جعيتا حيث المخازن المركزية للعتاد والسلاح، فزود كل مقاتل ببندقية كلاشينكوف جديدة و”وحدتّي نار” وبعض صواريخ الميلان لوحدات المضاد للدروع الموجودة في الجبهة، وبثياب تتحمل البرد والثلج ايضاً. بعدها توجهت القوة المقاتلة الى عيون السيمان حيث كان في انتظارها الحكيم ومعه عباس على رأس قوة من خمسين مقاتلاً من الشمال وهناك في ساحة “التلسياج” ترجّل الجميع وتشكلوا في فصائل وسرايا وشرحت لهم المهمة من قبل الحكيم وأهميتها، فأكد لهم ان الذي يقومون به في هذه اللحظة التاريخية من عمر الوطن سيسجل لهم في تاريخ المقاومة اللبنانية.

بدأ الجميع بالتحرك مشياً في القطار الآحادي، وكان يوجد في مكان الانطلاق مربض لمدافع ميدان عيار 155 ملم يساند زحلة حيث كان يقصف من دون توقف كون المعارك كانت قاسية جداً.

عند ذلك الصباح كان الثلج مجلداً أي يَسهُل المشي فوقه، تقدّم “الدالول” حنا سابيوس المشهور بمعرفته لكل بقعة من جرد عيون السيمان ومعه الكشافين الذين مشوا في المقدمة لتأمين خط سير القوة المقاتلة وبعدهم كان الحكيم، وهكذا دواليك كل المجموعة المقاتلة. وكانت الساعة حوالى الرابعة فجراً ودرجة الحرارة ما دون الصفر فكان التحرك بطيئاً نظراً لسماكة الثلج، تزامناً كان هناك “رتراك” (آلية تسير على الثلج)، يتجه نزولاً من جبل المزار ومعه جرحى من وحدات المغاوير نحو ساحة “التلسياج” حيث كانت بأنتظارهم سيارة اسعاف لنقلهم الى المستشفى.

وصلت القوة وكان الصباح قد حل الى مشارف الشير الاحمر في جرود عيون السيمان، مما فضح تحركاتهم من جانب السوريين الذين رأوهم من منطقة رياق حيث هناك مجموعات كبيرة تراءت لهم على شكل بقع سوداء على الثلج.

فجأةً انهمر القصف العنيف بالهاووين والراجمات على المجموعة، فانقسمت الى جزأين مجموعة نزلت على الشير الاحمر بإتجاه منطقة “كركول مطايوحان” الى قعر الوادي ومجموعة بقت في اعلى الشير وانحدرت الى مكان انطلاقها اتقاءً للقصف العنيف. وهكذا نزل الحكيم ومن استطاع مرافقته الى منحدرات الشير الاحمر حيث القذائف تتساقط يمنةً ويسرةً ولكن كانت شظاياها في بعض الاحيان غير مؤثرة نظراً لسماكة الثلج.

يروي أحد المقاتلين تلك الواقعة على الشكل الاتي: “هبطتُ بسرعة البرق على ذاك المنحدر، وفي اسفل الوادي اصبحت بمأمن من القصف وشاهدت رفاقي كيف ينحدرون على البساط الابيض والقذائف تحيط بهم فكأنني أحضر فيلماً حياً على شاشةٍ عملاقة”.

وقد استشهد في هذا القصف رفيقان هما نجا الخوري من بلدة المغيري جبيل وكان قائداً لثكنة اللقلوق ونبيل رحمة من بشري وهو مرافق للحكيم. وبقيت جثتاهما حتى 8 نيسان حيث تم سحبهما.

اكملت القوة سيرها حتى وصلت الى المدرسة الرسمية في وادي العرايش وهناك خلدَت للإستراحة والاكل حيث كانت نساء المقاومة تخبز على الصاج للمقاتلين، وبعدها كان من المقرر ان تنطلق الى المواقع الامامية على الجبهة.

ولكن الحكيم تبلّغ أمراً بالرجوع مع القوة الى الشمال لأن السوريين بدأوا بالتحرك على جبهة الشمال. وخوفاً من اختراق الجبهة، أوعز الشيخ بشير الى الحكيم بالعودة. كانت القوة التي وصلت منهكة ومع هذا كله عادت ولكنها غيّرت مسلكها، مما أضطرها الى سلوك طريق اطول حيث مكثت اثنتي عشرة ساعة متواصلة على الثلج وبلغ تعب الرفاق “حد الموت”، وفق ما يذكر أحد المشاركين في هذه المهمة.

بعدها بحوالى يومين اغار السوريون بالطيران على تلك الممرات، فحصلت عمليات انزال وقطع الشريان الحيوي الوحيد بزحلة، وذلك في 10 نيسان 1981.

لم تبخل المقاومة اللبنانية بأي شيء بل ضحت بالغالي وفق قدراتها وصمدت وخاضت حروباً شرسة، رغم قلة الامكانات والعديد، فسجّلت بصمودها ملاحم بطولية. وزحلة الامس تشبه كوباني اليوم صمود اهلها اعاد حسابات دول وخلط الاوراق من جديد، فمعركة زحلة دفعت المجتمع الدولي الى إصدار القرار 520 واتت ببشير الجميل رئيساً للجمهورية اللبنانية، وذلك بفضل اهلها وبفضل “القوات اللبنانية” مجتمعة ومن مختلف المناطق.

Exit mobile version