إن ننسَ فلن ننسى: واحد اثنان ثلاثة صار أندريه شهيدا

 كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1448:

 

هي حرب الجبل. تلك الحرب التي ذهب إليها شباب المقاومة المسيحية حتى وهم يدركون أنها قد تكون حرباً مستحيلة في ظروف قاسية تحكمت بها ورسمت مصيرها.

ذهب أندريه أبي رميا مع الشباب الى الجبل. كان في الثامنة عشرة مقاوماً خبيراً يعرف أسرار السلاح والمواجهات والخطط العسكرية وكأنه ابن ثلاثين. كان سمير جعجع قائد قطاع الجبل. نتحدث عن العام 1983. كان الاسرائيليون فوق وكانت الطائفية في عز أيامها. كان المطلوب يومذاك البقاء فوق للحفاظ على الوجود المسيحي، كان المخطط أكبر بكثير من هذا، أكبر من أن يشرّحه ويحلله عقل مقاوم كل هدفه الدفاع عن هوية لبنان وبقاء الأرض لأصحابها.

 

 

في بحمدون كان أندريه مع أخيه طوني في نفس المكان عند الخطوط الأمامية، هو “القبوط”، هكذا كانوا يلقّبونه لفرط سرعته بالتنقّل وديناميكيته المذهلة، لا يستكين لا يهدأ في مكان واحد.

 لم تكن حرب الجبل حرباً منظمة بين جيشين، ولم يكن اندريه وكثر من رفاقه آنذاك، تلقوا التدريبات العسكرية الكافية، لخوض حرب مماثلة فُرضت عليهم في لحظة سياسية ما، وكانوا مضطرين للدخول فيها كي لا يتهجّر المسيحيون من قراهم، وعلّ الجبل يبقى جبلاً بمسيحييه ودروزه.

لكن حساب البيدر خان وبعنف دراماتيكي حساب الحقل، اذ انسحب فجأة الاسرائيليون من المكان، وأصبحت المقاومة المسيحية في قلب الجبل محاصرة، وانهمر القصف عنيفا فوق رؤوس شباب لا يعلمون كفاية طبيعة الجبل وأسراره. أصبح المكان مكشوفاً في ساحة بحمدون، نيران الدبابات تزرع الأرض لهباً، انبطح أندريه أرضاً مع رفاقه، هدأت الدبابات نسبياً، بدأ رصاص القنص. عدّ حتى الثلاثة وقال لرفاقه ما أن أنهي التعداد ننهض جميعاً ونركض باتجاه مواقعنا، واحد اثنان ثلاثة… وما أن رفع رأسه حتى عاد ليقبل وجهه أرضاً لم يكن بالأساس مقدراً لها أن تكون واحدة من جبهات نضاله الحقيقي، لكن الرب شاء أن يجعله هو ابن إهمج، شهيداً في الجبل وكل جبل يضم ثائراً وخائفاً على جبال وسهول وكروم لبنان…

لم يودّع جثمان أندريه في ضيعته، إنما ودّعت صورته. راح جسد الشهيد مع الأيام السود التي حرقت قلب لبنان وجباله بنار الطائفية، لكن بقي كل أندريه يجول في الأرجاء التي زرعها صخباً وحيوية وعنفواناً. ابن ثمانية عشر ربيعا كان، ومنذ الحادية عشرة في حزب “الكتائب” مع الشيخ بشير.

هم سبعة شباب وصبية، كلٌ في ذاك البيت المقاوم يذهب في اتجاه واحد، مسيحيون لأجل المسيح ولبنان.

لم يمنع الأهل أبناءهم أن يكونوا مقاتلين “لو كنا عشر ولاد أمي مستعدة كانت تقدمهن فدا لبنان وسمير جعجع” يقول أخ أندريه ميشال، ويضيف بمرارة “دايما بقول إذا كان بدو يستشهد يا ريتو استشهد بالأشرفية أو جبيل أو زحلة بس إنو يموت فوق وما نقدر نحصل على جثته أمر كتير صعب علينا”.

يذكر ميشال أنه وقبل استشهاد أندريه طلب من أخيه العودة الى بيروت، وحمّله بندقية وهرب أخوه بالجرد لخمسة أيام متتالية خشية اكتشافه وقتله، لم يأكل في خلالها سوى الحشائش، وساعده أحد أبناء المنطقة للوصول الى بيروت، وبعد ثلاثة أيام وصل خبر استشهاد أندريه.

رحل أندريه وبقيت البارودة تروي أخبار المقاتل الكريم الذي أحبّ عائلته واهتم بكل فرد فيها، وخصوصا أمه أول المقاومات التي على رغم الأسى والحزن لم تستسلم “يللي عطاني 8 وزنات قرر إنو ياخد وزنة منهم مين أنا حتى اعترض ع ربنا” كانت تقول. لكن الأم التي صارت ثكلى وعلى رغم إدّعاء القوة والصبر، أصيبت بالسكري وهي الآن تخضع لعمليات غسل الكلى بشكل دوري ولم تنس لحظة ابنها الشهيد. “كل سنة الدكتور جعجع يرسل لنا دعوة للمشاركة في قداس الشهداء وبيكتب ع البطاقة الى “أم الشهيد” حتى وهوي بالحبس كان يطلب من ستريدا إنو ما تنسانا وما تنسى ولا حدن من أهل الشهدا”، يقول أخوه ميشال.

الحكاية وباختصار أننا عندما نستشهد، لا نختار الأمكنة التي نحبّ، التراب واحد إنما الرب يختار لنا وجهة الشمس، وفي كل الاتجاهات أندريه كما كل الشهداء، يرسمون الخارطة نفسها، بالدم نرسم خريطة الكرامة.

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن. 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل