وسَطاء ومستشفيات يتاجرون بصحّة اللبناني… والمخصّصات لا تصل لمستحقّيها

 

كتب باسكال بطرس في “الجمهورية”: “لو استَطعنا دخول مستشفى في صيدا أو صور، لكانَ طفلُنا حيّاً بيننا. هذا الجرح سيبقى دائماً في صدورنا». هكذا اختصرَ الحاج (ح. ب.) المأساة التي عاشها، حين فقَد حفيده آدم (اسم مستعار) الذي لم يكن تجاوَز العامين، في أيلول 2013، وقد اختنق وهو يأكل قطعة تفاح صغيرة، وذلك بعدما رفضت المستشفيات استقباله على نفقة وزارة الصحة.

في منتصف إحدى ليالي آذار 2014، صُدّت أبواب ثلاث مستشفيات خاصّة في وجه الشابة ريتا عاكوم المشلولة رباعياً منذ الولادة، بعد إصابتها بصعوبةٍ في التنفس وبتورّم في وجهها.

رفضُ المستشفيات الخاصّة استقبالَ مرضى، يختبره آلافَ اللبنانيين الذين تتفاقم حالهم الصحّية أو يفقدون حياتهم سنوياً، على رغم وجود اتفاق أو عقد سنوي بدأت الوزارة إبرامه مع المستشفيات الخاصة منذ أعوام الحرب الأهلية.

ويفرض هذا العقد على المستشفيات استقبال كلّ حالات الطوارئ غير المؤمَّنة صحّياً، على نفقة الوزارة. كما يُخرَق قرار أصدرته وزارة الصحّة في تشرين الأوّل 2006، يفرض على المستشفيات كافة استقبال الحالات الطارئة والتعامل معها، عقب ازدياد صدّ المستشفيات.

بعد عامٍ كامل من التقصّي، يوثّق هذا التحقيق حالات استغلال مرضى ورفض مستشفيات خاصة معالجتَهم وسط ضعف رقابة وزارة الصحّة وتقصيرها، ما يُهدّد صحّة المواطنين في الدرجة الأولى. يُوازي ذلك تلاعب مستشفيات بالفواتير وتضخيمها بالتواطؤ مع «سماسرة»، ما يهدر موازنة الصحّة بنسبة تتعدّى الخمسين في المئة، وفق ما أعلنه وزير الصحّة العامة وائل أبو فاعور.

ويكشف الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني جورج كتّانة في هذا الإطار أنّ «المستشفيات لا تتردَّد برفض استقبال عناصر الصليب الأحمر في كلّ مرّة ينقلون إليها مصاباً أو مريضاً، بحجّة عدم وجود أسِرَّة».

من جهته، يوضح النائب السابق الدكتور اسماعيل سكّرية، أنّ «هذه الممارسات تهدر أكثر من 50 في المئة من مخصَّصات الوزارة لعلاج غير المؤمّنين صحّياً، التي تُقدّر بـ400 مليار ليرة (266 مليون دولار) سنوياً، وبالتالي تهدر 200 مليار (133 مليون دولار)، أي ثلث موازنة الوزارة العامة البالغة أخيراً 600 مليار (400 مليون دولار)، و5 في المئة من الناتج المحَلي الإجمالي الذي تشكّل الفاتورة الصحّية نسبة 10 في المئة منه».

إلى وزارة الصحة

المحطة الأولى، كانت في مركز إصدار بطاقات الاستشفاء داخل الوزارة في منطقة المتحف، حيث يتوافد على هذا المركز عشراتُ اللبنانيين يومياً لإنجاز معاملات دخول مستشفيات خاصة وحكومية على نفقة الوزارة.

لكنّ الأمر ليس سهلاً، فأكثر من 70 في المئة منهم يُواجَهون إمّا برفض المستشفى استقبالهم أو مطالبتهم بمبالغ «مضخّمة» لتسديد «فرق الوزارة» الذي يُفتَرض أن لا يزيد عن 15 في المئة من كِلفة الاستشفاء، فيما تغطّي وزارة الصحّة 85 في المئة من الفاتورة، بموجب الاتّفاق المُبرَم.

زارت مُعِدّة التحقيق المركز أكثر من 20 مرّة، بوصفِها طالبة جامعية تُحضّر أطروحتها، ما سمحَ لها بلقاء المراجعين. وهناك، لفتَ انتباهَها رجلٌ تجاوَز صفّ الإنتظار برُزمة بطاقات لإتمام معاملاتٍ بالإنابة عن مرضى.

ولدى سؤال مسؤول في الوزارة فضّلَ عدم الإفصاح عن هويّته، أجاب: «هو أحد مندوبي المستشفيات، ممّن يأتون يومياً لتقديم معاملاتٍ لأكثر من 60 مريضاً بالإنابة عنهم». ثمّ استدرك: «للأسف عدد كبير من هذه المعاملات قد يكون لمرضى وهميّين أو لأمراض وهميّة، تخترعهم المستشفيات التي يتمتّع مالكوها بنفوذ أو دعم سياسي، لكسب أموال غير شرعية، والعَترة على الفقير».

إلّا أنّ القيّمين على المستشفيات يتجاهلون هذا الواقع، وكلٌّ منهم يؤكّد أنّ ذلك لا ينطبق عليهم، كاشفاً أنّ «كلّ مندوب من المندوبين الذين نتعامل معهم، يمثّل حزباً من الأحزاب اللبنانية، ويهتمّ بالمرضى الذين ينتمون إلى هذا الحزب». وجميعهم يردّدون العبارة نفسها: «السقف المالي المخصّص لنا بالكاد يكفينا لمعالجة مرضانا، فكيف لنا أن نُنجزَ معاملاتٍ لمرضى وهميّين أو حتى لأمراضٍ وهميّة؟».

مُعِدّة التحقيق حصرَت السماسرة والوسطاء ضمن فئتين:

– ممثلون عن أحزاب سياسية يقدّمون طلبات يعود بعضها لمرضى وهميّين.
– سماسرة مستشفيات متخصّصون في نقل طلبات مرضى، خضعوا لعملياتٍ جراحية وغادروا المستشفى بعدما غطّوا تكلِفة العلاج. وتستخدم المستشفى هوية المريض لتقديم طلب استشفاء على نفقة وزارة الصحّة، وفي النتيجة تقبض مرتين: من المريض ومن الوزارة بلا علم المريض.

قرارات وزير الصحة

في مقابلةٍ مع مُعِدّة التحقيق، لم ينفِ وزير الصحّة وائل أبو فاعور هذه الادّعاءات، بل يؤكّد أنّه أصدرَ في 10 آذار الماضي، قراراً يقضي بـ«منع دخول سماسرة ومُعقّبي معاملات الاستشفاء والدواء إلى مبنى الوزارة، والدوائر التابعة لها».

غير أنّ هذه الظاهرة لم تختفِ على رغم إجراءات الوزير. وفي وقت يُردّد موظفٌ مسؤول في الوزارة رفَضَ الكشف عن اسمه، أنّ «قرار الوزير بقيَ حبراً على ورق، لأنّ هذه الإجراءات اتُّخِذت في حقّ موظفين صغار بالكاد يتقاضون خمسة آلاف ليرة (ثلاث دولارات) على المعاملة، في حين أنّ السماسرة الحقيقيين لا يزالون يتمتّعون بالحرّية المطلقة لإجراء معاملاتهم الوهمية وغير الوهمية، على رغم القرار، في ظلّ غياب الرقابة»، يؤكّد أنّ «السيطرة على هؤلاء «السماسرة» صعبة نوعاً ما، لأنّهم مُغطَّون سياسياً وطائفياً».

وإذ يلفت أبو فاعور إلى أنّ «وزارة الصحّة تُغطّي نصف اللبنانيين بالتأمين الصحّي، أيْ ما يعادل مليونَي مواطن، بكلفة قيمتها 267 مليون دولار سنوياً»، يشدّد على أنّ «المريض على حساب الوزارة هو صاحب حقّ، وبالتالي فإنّ المستشفيات لا تُقدّم له خدمة مجانية، ويدفع بدل هذه الخدمة كما يدفع أيّ مضمون ينتسب إلى صناديق ضامنة (تأمين) أخرى»، مشيراً إلى أنّ تعرفة الاستشفاء تُحدّد «وفق الأصول، استناداً إلى عقود منظّمة بين الوزارة والمستشفيات الخاصة». ويلفت أبو فاعور إلى «نماذج إدارية موضوعة في رسم المستشفيات يجب أن تكون بتصرّف الجميع وتُلتَزَم كاملة».

التلاعب بالأسعار

تسعيرة العلاج والعمليات الجراحية حدّدتها دراسة وضعها القيّمون على مؤسسة الضمان الاجتماعي، وحسب تصنيف كلّ مستشفى، فاعتمدتها الوزارة بدورها. إلّا أنّ هذه الدراسة لا تُعدّل سنوياً، وقد خضعت لآخر تعديل منذ نحو ثلاثة أعوام، الأمر الذي قد يشكّل سبباً للتلاعب بالأسعار، ما يسمح للمستشفيات بتغطية ارتفاع أسعار العلاج والأدوية خلال الأعوام الثلاثة الماضية. وعليه، ينبغي على المعنيّين تحديد هذه الأسعار والتعديل عليها سنوياً.

وبموجب العقود المبرَمة بين وزارة الصحّة والمستشفيات، «تتعهّد الوزارة بتغطية المرضى اللبنانيين غير المتمتعين بأيّ تغطية صحّية أخرى، وذلك ضمن حدود الاعتمادات السنوية المرصودة في الموازنة، ووفقاً لأولويات صحّية اجتماعية معتمَدة من الوزارة».

وينصّ العقد على أنّ «وزارة الصحّة تغطّي 85 في المئة من فاتورة المستشفى، وتشمل كلّ الفحوص والعلاجات المتوافرة في المستشفى. ولا يجب شراء أيّ دواء أو لوازم أو معدّات طبّية أو دفع أيّ فروقات. وتدعو الوزارة المواطن الى أخذ إيصال من المستشفى بالمبلغ المدفوع». في المقابل، يدفع المريض 15 في المئة من كامل الفاتورة، ويُعفَى حاملو بطاقة أصحاب الإعاقة من أيّ مبلغ.

وعلى رغم توافر المستشفيات الحكومية في بعض المناطق اللبنانية، إلّا أنّ المواطنين يفضّلون ارتياد المستشفيات الخاصة للخضوع للعمليات الجراحية أو حتى للعلاج، لأنّهم لا يثقون بالقطاع العام الاستشفائي، الذي يُتداوَل أنّه لا يملك مقوّمات إنتاج خدمات طبّية جيّدة النوعية، ولا يملك قدرة المزاحمة مع القطاع الخاص.

فواتير وهميّة

وثّقَت مُعِدّةُ التحقيق ممارسات سماسرة في 4 من 20 مستشفى خاصة قصدَتها، منها مستشفى المرتضى في بعلبك. تُحدّد الوزارة لهذه المستشفى سقفاً سنوياً بقيمة 2.5 مليار ليرة (1.666 مليون دولار)، عدا المبالغ الإضافية بموجب «عقود المصالحة» عند تجاوز السقف السنوي.

إطّلعت مُعدّة التحقيق على 30 معاملة استشفائية من المستشفى، واتّصلت بالأرقام الهاتفية للمرضى المسجّلين، لتُفاجَأ بأنّ 13 منها إمّا معطّلة أو ليست للأسماء المذكورة على البطاقات. ونفى خمسة أشخاص آخرون خضوعهم لعمليات في المستشفى. وبينما لم ينكر تسعة أشخاص دخولهم مستشفى المرتضى، خمسة منهم أكّدوا أنّ ذلك لم يتمّ بحسب التواريخ المذكورة في المعاملات الاستشفائية التي بحوزة المُعدّة.

أمّا الأربعة الآخرون، فلفتوا إلى أنّهم خضعوا لعمليات مختلفة عن تلك المذكورة في معاملاتهم الاستشفائية. في حين بدا ثلاثة حذرين، حتى إنّ أحدهم رفضَ الحديث عن صحّته.

إذاً، يتبيّن أنّ أربعة من كلّ عشرة مرضى لا تتطابق أسماؤهم مع أرقام الهواتف المدرَجة على معاملاتهم، واثنين من كلّ عشرة نفيَا خضوعهما لعملية جراحية، وثلاثة تحدّثوا عن وجود أخطاء في التواريخ أو في نوع العمليات التي خضعوا لها.

تهديدات

ويبدو أنّ تعقّب أرقام المرضى أثار غضبَ فئة مستفيدة من هذه الممارسات، إذ اتّصلَ شخصٌ بمُعدّة التحقيق ليحذّرها من «اللعب بالنار». كذلك اتّصل مالك ومدير مستشفى المرتضى، عبّاس حجازي، شخصياً، ليسأل عن سبب اتصالها بالمرضى، ويؤكّد «نزاهة المستشفى وصدقيّة تعامله مع المرضى ومع الجهات الضامنة وتحديداً وزارة الصحة، بعكس ما قد يسرّبه لها بعض المغرضين في الوزارة».

إطّلعَت مُعِدّة التحقيق على مذكّرة إنذار وجّهها وزير الصحّة الأسبق محمد جواد خليفة بتاريخ 18 آذار 2010، إلى مستشفى المرتضى، لتصحيح مخالفاته المتعلقة بالتزاماته التعاقدية مع الوزارة، والمذكورة في قرار التفتيش المركزي الصادر عام 2008. يسرد الكتاب ثغراتٍ توحي بأنّ ما كشفَه هذا التحقيق يتكرّر منذ أعوام.

التفتيش المركزي

وينتقد قرار التفتيش المركزي «عدمَ وجود مكتب خاص للطبيب المراقب من وزارة الصحّة»، و»عدم وجوده في المستشفى»، فضلاً عن «عدم تسليم المرضى نسخة عن فاتورة الحساب، وتدوين استشارات في فاتورة الاستشفاء لأعمال لا تتطلّب استشارات، والتلاعب في الرموز الطبّية التي تحدّد نوع العملية التي خضع لها المريض، والتعرفة المحدّدة لكلّ عمل طبّي من الوزارة، وذلك للإفادة من فارق السعر لمصلحة المستشفى والطبيب المعالج، ما يؤدّي إلى هدر المال العام».

يضيف القرار أنّ «غرفة العمليات كانت مُقفَلة بسبب التعقيم خلال زيارة المفتشين»، وهي الذريعة ذاتها التي أُعطِيت لمُعِدّة التحقيق عندما زارت المستشفى في شباط الماضي. الأمر الذي يدلّ على الفوضى المستشرِية في المستشفى وغياب الرقابة عليها، ما يتيح للقيّمين عليها كلّ أنواع السرقات والتزوير على حساب المرضى والوزارة.

كما يشير قرار التفتيش المركزي، الصادر عن هيئة التفتيش المؤلّفة من الرئيس وعضوَين، إلى أنه «وفقاً لبطاقات التغطية الصادرة عن مركز منح البطاقات في بعلبك، عن شهرَي أيار وحزيران للأعوام 2006 و2007 و2008، تبيّن ما يلي:

عام 2006: حصل 637 مريضاً على بطاقات تغطية، 65 منهم أدخِلوا أكثر من مرّة للعلاج على نفقة الوزارة.
عام 2007: حصل 626 مريضاً على بطاقات تغطية، 75 منهم أدخِلوا أكثر من مرّة للعلاج على نفقة الوزارة.
عام 2008: حصل 621 مريضاً على بطاقات تغطية، 54 منهم أدخِلوا أكثر من مرّة للعلاج على نفقة الوزارة».

وبالتالي، يمكننا الاستنتاج من هذه البيانات أنّ المستشفى المذكور يُجري سنوياً معاملاتٍ وهمية لأفراد قد يكونون حقيقيين ولكنّ أمراضهم وهميّة، ما يفسّر دخولهم المتكرّر إلى المستشفى للعلاج على نفقة الوزارة، وقد يحصل ذلك بلا علمِهم أو بالتواطؤ مع المستشفى مقابل خدمات صحّية أو ماليّة معيّنة، وهو الأمرُ الذي لم يغفله قرار التفتيش الذي يُشكّك في «إجراءات الحصول على خدمة الرعاية الصحّية للمرضى، وتكرّر عمليات متناقضة للمريض الواحد بفترات وجيزة»، كما يصف قرار التفتيش ما يحصل بـ»هدر المال العام والإثراء غير المشروع على حساب الأموال العمومية»،

ويضيف القرار: «هو أمرٌ يتحمّله الأطبّاء المعالجون والمستشفى على حدٍّ سواء، كما ويتحمّل مسؤوليته الطبيب المراقب، الذي لو كان يراقب الأعمال الطبّية المُجراة على نفقة الوزارة على نحوٍ صحيح وفعّال وفقاً للأصول المحدّدة له قانوناً، لكان مَنَع حصولَ مثل هذه الأعمال، وأبلغ إدارته عنها لاتّخاذ ما هو مناسب من إجراءات قانونية إزاء هذه الأعمال المخالِفة للقانون».

ولدى طلبِ مُعِدّة التقرير مقابلةَ حجازي لإعطائه حقَّ الرد، تهرّبَ من لقائها متذرّعاً بظروف وحساسيّات المنطقة البقاعية، نظراً إلى سيطرة فئة سياسية معروفة.

«على عينَك يا تاجر»

الأسلوب الأكثر شيوعاً في التلاعب بفواتير الاستشفاء مفادُه جعلُ المريض يدفع ثمن علاجه أضعافاً مضاعَفة، علناً، و»على عينَك يا تاجر».
إطَّلعَت مُعِدّة التحقيق، بمساعدة أحد موظفي مركز إصدار البطاقات في الوزارة، على حجم الهدر في أكثر من 200 فاتورة قدّمَتها المستشفيات للوزارة، والناجمة عن الفارق بين التعريفات المقرّرة من الوزارة، وتلك التي تعتمدها المستشفيات.

ورافقَت المُعدّة مريضةً أثناء دخولها المستشفى بوصفِها موظفة في الوزارة. فالتقت طوني الذي كان ينتظر دورَه عند مكتب الدخول، في مستشفى «مركز الشرق الأوسط الصحّي» في بصاليم (جبل لبنان)، لإنهاء معاملات إدخال خالتِه (س. ش.)، والتي سبقَ أن خضعت قبل 7 أشهر في آذار 2014 لعملية جراحية في المستشفى ذاته، لاستئصال قولون مُصاب بالسرطان، على نفقة الوزارة.

قال طوني إنّ خالته «تحتاج بعد مضيّ 7 أشهر، لعملية جراحية جديدة، كاشفاً أنه دفع «بعد طول مفاوضات 7 من أصل 8 آلاف دولار تكلفة العملية الأولى، على رغم أنّها على نفقة الوزارة».

وعندما سألته المُعدّة عن الفاتورة، أجاب: «رفضوا إعطائي أيّ فاتورة، فما كان منّي إلّا أن دفعتُ بواسطة شيكات مصرفية». أمّا عن العملية الثانية فقال: «تطالبني المستشفى بـ3 آلاف دولار لإجرائها».

وبعد اطّلاعها على صُوَر الشيكات، استأذنَت المُعدّة طوني لمرافقته الى مكتب الدخول في المستشفى، بعدما تمنَّت عليه دفعَ نصف المبلغ، علماً أنّ المستشفى تفرض دفع المبلغ كاملاً عند دخول المريضة. أصرَّت معدّة التحقيق على دفع 1500 دولار كدفعةٍ أولى، على أن تُمرّر الدفعة الثانية في غضون يومين.

وعندما طلبَت المُعدّة من الموظف توضيحَ سبب كلفة الاستشفاء الباهظة نظراً إلى كون المريضة تستفيد من تقديمات الوزارة، «فهل يعقل أن تتخطّى كلفة العملية 20 ألف دولار؟»… لم يكن لديه أيّ جواب. علماً أنّ القيمة المحدّدة على بطاقة سلمى الاستشفائية، والتي تحمل توقيع الطبيب المعالج في المستشفى، هي 471,294 ألف ليرة لبنانية، أي ما يعادل 300 $ وليس 3000 $، أي يدفع المريض 15% فقط من كلفة العملية.

بعد يومين، اتّصلوا من المستشفى للتذكير بالدفعة الثانية، فتوجّه طوني والمُعدّة الى المحاسبة، حيث لم يدفع سوى 1000$، على أن يدفع الـ 500 دولار الأخيرة عند خروج المريضة. إلّا أنّ الطبيب المشرف على وضع سلمى قرّر إبقاءَها يومين إضافيين، مع التأكيد أنّ التمديد لا يكلّف مبالغ إضافية.

وعندما عادا صباح الاثنين لإخراج خالته، فوجئا بمسؤولة المحاسبة تطالب بدفع ألف دولار، فسألها طوني: «لماذا ضاعفتم المبلغ؟» أجابت: «يتبيّن أمامي أنّ المبلغ المتوجّب عليكم هو 3500$». لكنّ طوني رفض دفع أكثر من 500.

وسألت المُعدّة عن الطبيب المراقب والذي لم تلتقِه يوماً في المستشفى، فلم يكن موجوداً. عندها راجعَا الموظف الذي تواصَلا معه منذ لحظة إدخال الخالة المستشفى، فأبدى استعدادَه لمراجعة الإدارة في الملف.

وبعد مرور ساعة، أبلغَهما أنّ الإدارة وافقت على إعفاء طوني من الـ500 $ الإضافية!
وفي المحصّلة، نستنتج أنّ تكلفة عملية جراحية لاستئصال القولون المُصاب بالسرطان بلغت في مستشفى خاص 10 آلاف دولار، يتكبّدها مريض يستفيد من تقديمات الوزارة!

وهنا يشير سكّرية إلى «أنّ التعرفة المحدّدة من الوزارة لعملية مماثلة، والمتّفق عليها بينها وبين المستشفى، هي 3,621,000 ليرة (2400 دولار) مقطوع، تدفع الوزارة 85 % من قيمتها أي 3,150,000 ليرة (2100 دولار)، ويتوجّب على المستفيد تسديد المبلغ المتبقّي (315 دولار) فقط».

أمّا مدير مستشفى الشرق الأوسط الدكتور هنري عازار فحمّل الطبيب المعالج، وهو أخصائي الأمراض الجلدية والتناسلية، الدكتور وليد سلمون، المسؤولية، قائلاً إنّ هذا الأخير «يشترط أن يتقاضى أجرَه من المريض قبل إجراء العملية، ويرفض انتظار الوزارة التي تتأخّر بتسديد المستحقّات، كما أنّها لا تدفع له المبلغ الذي يستحقّه، وهنا يُترَك الخيار للمريض: فإمّا أن يصرّ على أن يُعالجه هذا الطبيب فيتحمّل تكاليف الاستشفاء، أو يبحث عن طبيب آخر يعالجه على نفقة الوزارة».

وعن دور الطبيب المراقب، أجاب: «على الطبيب المراقب أن يتفهّم موقفنا، وإلّا سنضطرّ إلى رفض استقبال مرضى الوزارة». ولكنّ سلمون نفى كلّ ما قاله عازار، مؤكّداً أنّ «كلّ ما جنيته من مجمل هذه العملية لا يتعدّى الـ 500 دولار».

لا وزارة

بعد مدّة، توجّهَت مُعِدّة التحقيق إلى قسم الطوارئ في مستشفى المقاصد في بيروت، مدّعيةً أنّ «الحجّة» والدتها، التي تنتظرنها في السيارة، تعاني أوجاعاً حادّة في المَعِدة، وأنّها تريد إدخالها على نفقة الوزارة. وعلى رغم توسّلاتها، رفضوا استقبالها قبل تأمين 2000 دولار.

علماً أنّ حصّة مستشفى المقاصد من الميزانية السنوية للمستشفيات لعامَي 2013- 2014، وبحسب لائحة عقود المستشفيات الخاصة والصادرة عن الوزارة وفق المرسوم الرقم 10033، تفوق 5 مليارات ليرة لبنانية (أكثر من ثلاثة ملايين دولار).

السيناريو ذاته تكرّر في طوارئ مستشفى المنلا في طرابلس، الذي يتسلّم أربعة مليارات ليرة (2.5 مليون دولار) سنوياً، بدلاً من استقبال المريضة. ومن المنلا توجَّهَت المعدّة إلى مستشفى المظلوم، الذي تُخصّص له الوزارة 1.7 مليار ليرة (مليون دولار) سنوياً، والجواب نفسه: «لا وزارة».

وعند مواجهتها لإعطائها حقّ الرد، نفَت إدارات كلّ من المستشفيات المذكورة عدم استقبالها المرضى، رافضةً هذا الاتهام ومقدّمةً التبريرات، لتعود وتُجمع بعدها على أنّ «السقف المالي الذي تُخصّصه الوزارة غير كافٍ ويُستهلك بسرعة فائقة، فلا يمكننا استقبال جميع المواطنين، فضلاً عن النقص في عدد الأسِرّة، وخصوصاً في غرف العناية الفائقة».

غياب الرقابة

كلّ ما تقدَّم يشير إلى أنّ المسؤول عن الفوضى هو غياب الرقابة. وهذا ما يجعل المريض يدفع فاتورة مضخّمة، وإدارة المستشفى تختار المريض المناسب، وترفض استقبال الحالات الصعبة. فأين المراقب المكلّف من وزارة الصحة السَهر على حُسن تنفيذ الاتفاقات مع المستشفيات؟

يرى سكّرية أنّ «الطبيب المراقب هو من نقاط ضعف النظام المعمول به، فهو غالباً لا يقوم بدوره». ويؤكّد أنّ «غياب الرقابة والتدقيق في الفواتير والأعمال الطبّية، خصوصاً على نفقة وزارة الصحة، أحد أهم أسباب الهدر»، وإذ يلفت إلى أنّ «عدد الأطبّاء المراقبين المتعاقدين مع الوزارة هو 147»، يسأل هؤلاء: «هل أنتم موظّفون في المستشفيات الملحَقون بها، أم تابعون لوزارة الصحة؟ هل تتلقّون التعليمات من أصحاب المستشفيات؟ أم أنّكم أصحاب القرار؟»

وهنا يؤكّد أبو فاعور أنه «سبق أن اتّخذنا إجراءات بعَزل طبيبَين مراقبَين في آذار 2014، بسبب تقاعسِهما عن عملهما الرقابي، وقد تلقّينا شكاوى بحقّهما»، لافتاً إلى أنّ «المفقود هو آليّة الرقابة على الأطبّاء المراقبين، لذلك سأتقدّم بطلب إلى مجلس الوزراء لتعيين مفتّشين على الأطبّاء المراقبين في كلّ محافظة».

حلٌّ جذريّ

أظهرَت عمليات حسابية أجرَتها مُعِدّة التحقيق أنّ الاستراتيجية التي تتّبِعُها شركات التأمين في لبنان، قد تشكّل نموذجاً يُحتَذى لحلّ مشكلة الاستشفاء.
وفي هذا الإطار، يرى رئيس جمعيّة شركات الضمان أسعد ميرزا أنّه يمكن تأمين الاستشفاء بنسبة 100 % لنحو مليوني مواطن، أي ما يوازي نصف سكان لبنان، وهو عدد اللبنانيين غير المؤمّنين صحّياً، بقيمة 267 مليون دولار سنوياً، وهو المبلغ الذي تنفقه الوزارة على الاستشفاء.

ويشرح ميرزا أنه «إذا وزّعنا 267 مليون دولار على مليوني مواطن، تكون حصة الفرد 133.4 دولار، وهذا منطقيّ مقارنةً مع الميزانية التي تخصّصها شركات التأمين للعاملات الأجنبيات، استناداً إلى عقود موحّدة بينها وبين المستشفيات».

ويوضح أنّ «الدولة تعتبر التأمين الصحّي لهؤلاء العاملات إلزامياً للعمل في لبنان، وتنصّ العقود على أنّ الحد الأدنى لكِلفة التأمين هو 120- 140 دولاراً سنوياً، وتشمل الطوارئ والعمليات الجراحية».

بدوره، يؤكّد رئيس وسَطاء شركات التأمين في لبنان عصام حتّي أنّه «سبق أن طُرِح على عهد وزير الصحة السابق محمد جواد خليفة، مشروع التأمين الإلزامي الذي ينصّ على تقديم الوزارة التقديمات الأساسية لجميع اللبنانيين، بلا استثناء من خلال الميزانية، على أن تكون التغطية محدّدة بسقف ماليّ، وتُستكمَل بتأمين إضافي لمن يريد من شركات تأمين خاصة أو صناديق التعاضد، على أن تكون الإدارة التنفيذية لهذا النظام في يد القطاع الخاص، في حين يقتصر دور الوزير على الإشراف».

يبدو أنّ إشكالية فوضى الصحّة في لبنان، لن تنتهي. فقبيل إنهاء هذا التحقيق، ضجّت وسائل الإعلام بخبر رفض مستشفى «النيني» في طرابلس، استقبالَ الطفلة تالا طلال جمعة البالغة من العمر خمس سنوات، والمصابة باللوكيميا.

هذا التحرّك الذي نفّذه عدد من آل جمعة الذين اعتصموا أمام مدخل المستشفى مطالبين بقبول إدخال الطفلة لتستكمل علاجاً بدأته منذ عشرين يوماً في المستشفى عينه على نفقة الوزارة، أدّى إلى تدخّل وزير الصحة الذي أكّد أنّ الوزارة ستؤمن العلاج للطفلة. وقرّر أبو فاعور توقيفَ العقد الموَقّع بين الوزارة ومستشفى «النيني»، مُحذّراً من أنّه في حال تكرار مثل هذه الحالة، سيحيل الملف مباشرةً إلى النيابة العامة التمييزية.

* أُنجِزَ هذا التحقيق الاستقصائي بدَعم من شبكة «أريج»- إعلاميّون من أجل صحافة استقصائية عربية، وإشراف الزميلة صفاء كنج.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل