يزيد الدجل والتعمية والتعميم في وقت نحن في أمّس الحاجة إلى المكاشفة والمجاهرة بالحقيقة كما هي، وإذا كانت المحاسبة تبدو بعيدة المنال، فعلى الشرفاء أنّ لا يشاركوا في الجريمة بالصمت…
“لو لم نقاتل في سوريا لكانت “داعش” في جونية”، هذا هو باختصار خط الدفاع الحالي لـ”حزب الله” عن قتاله في سوريا بعد أنّ سقطت خطوط الدفاع الأخرى التي بدأت بالدفاع عن القرى الشيعية، ثم الدفاع عن المقامات وبعدها حتى لا تصل التفجيرات إلى لبنان حتى وصلت إلى منع المتطرفين من نقل المعركة إلى لبنان، وغداً سيخترع “حزب الله” ذريعة جديدة بعد أنّ استعمل مآسي المسيحيين والأيزيديين وقبيلة البونمر في العراق…
إنّ سياسة اللحظة لا يُمكن أنّ تطغى على التاريخ، فلنتذكّر التاريخ القريب. عندما كان “حزب الله” مقاومة، كم يبدو التاريخ بعيداً، ومع ذلك، كانت صور السيّد حسن نصرالله توضع في منازل الوطن العربي على أنّه حافظ العهد، وصادق الوعد وباني المجد للعرب، كان له كل التقدير ولم يكن هناك ضغط وسخط سنّي، ولا “نصرة” أو “داعش” ولا من يذبحون ولا من يحزنون. وبعد تدخل “حزب الله” في سوريا إنقلبت الآية رأساً على عقب حقداً يفوق العتب…
لم تعد تفيد المبررات التي يطلقها “حزب الله” للتغطية على الجريمة المرتكبة بحقّ اللبنانيين أجمعين، دولة وجيشاً وشعباً ومقاومة، منذ بدء تدخّل “حزب الله” في سوريا حذّرت “14 أذار” مما سيؤدي إليه هذا التدخل، وأثبتت الأحداث أنّ ذرائع “حزب الله” كانت واهية وتحذيرات 14 أذار كانت واقعية، إنّ خطابات وجولات مسؤولي “حزب الله” لم تعد تفيد في شحن بيئته وبركان الإعتراض يحتقن، فكفى هروباً إلى الأمام.
لم يبدأ الإعتراض على أجندة “حزب الله” عند تدخّله في سوريا متجاوزاً الدولة وقرارات ذيّلها بتوقيعه بدءاً من النأي بالنفس وصولاً إلى إعلان بعبدا، بل الأزمة مع “حزب الله” بدأت منذ إتهام كوادر وعناصر منه في بعض جرائم الإغتيال وكان الدكتور جعجع وصف “حزب الله” بأنّه أصبح عبئاً على لبنان في العام 2006.
بالإضافة إلى ما سبق، يتحمّل “حزب الله” المسؤولية المباشرة أكثر من العماد ميشال عون في شغور موقع رئاسة الجمهورية، فالعماد عون مسيحي وذنبه كبير في شغور موقع مسيحي، ولكن “حزب الله” لا يُمكن أن يكون سبباً في هذا الشغور لأسباب وطنية وسياسية وميثافية وطائفية وأخلاقية، الرئيس نبيه برّي أدرك هذا الواقع ولذلك نجد أنّ كتلته تواظب على الحضور إلى جلسات الإنتخاب التي تتحوّل إلى جلسات إنتحاب، ماذا لو قاطع المسيحيون جلسات إنتخاب رئيس مجلس النواب؟!
أمّا موضوع الساعة، ألا وهو التمديد للمجلس، مرّة جديدة تتّجه الأنظار صوب معراب، قلعة المبادئ والأصول وفي نفس الوقت هي موضع رهان على واقعيتها السياسية عندما تنتفي السبل الأخرى، لا أدري ما سيكون موقف “القوات اللبنانية” بعد بحث الخيارات التي تبقى تحت سقف حماية الكيان والنظام، ولكن أختصر الموقف الحالي بالضرورات التي قد تبيح المحظورات في مواجهة ضرورات عون – حزب الله التي تكاد تطيح بالمحظورات.
