إنفجار يُهدّد كلّ كيلومتر مربّع من المناطق اللبنانية… هكذا وصفَ وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس الوضعَ، في حديث لصحيفة «الجمهورية». ولنصدّق أنّ عدد النازحين السوريين المسجّلين بلغ مليون و170 ألفاً، لكن ماذا عن اللاجئين الفلسطينيين وعددُهم ما زال مبهماً، إذ إنّ إحصاءَهم من أسرار الدولة العليا التي لا يمكننا معرفتها على وجه الدقّة.
لا مجال للمقارنة بين النزوح السوري واللجوء الفلسطيني. فالمسألة الفلسطينية مسألة اغتصاب أرض. وفي المبدأ، «لا شكّ» في أنّ الفلسطينيين لن يتردّدوا، في حال استطاعوا سبيلاً، في العودة إلى بلادهم. لكن من قال إنّ النزوح لن يتحوّل لجوءاً مستداماً طالما إنّ نظام آل الأسد لا يعترف بثورةٍ في بلده، ولا يتزحزح قيد أنملة عن سلطة طوَّبَها له والدُه وجهاز الاستخبارات؟ وكيف لا يكون كذلك وثوّار سوريا من «دواعشها» و «نصرتها» لا يركنون إلى عملية سلمية تُنقذ من تبقّى وتعيد مَن لجَأ؟
وما يزيد الأزمة تعقيداً أنّ المجتمع الدولي يتعاطى مع هذا الموضوع على أنّه طويل الأجل، وأنّ الحلّ السوري ليس على سُلّم أولويات القرار الدولي، بحيث إنّ الاهتمام مُنصَبّ في الدرجة الأولى، على العراق والحوار مع إيران في شأن نفوذها، وربّما بعد الانتهاء من تطوّرات الملفّين، يبدأ البحث عن حلٍّ في سوريا، وإلى حينه علينا الانتظار حتى درجة السَأم، وتحمّل تبعات «الديموغرافيا» الموقوتة في ربوعنا.
المسؤولون السياسيّون عندنا لا يزالون يشيحون النظر عن تحوّل البلد مستودعاً بشرياً قد ينفجر في أيّ لحظة، متى انعقدَت تناقضات الوضع الداخلي مع تلك الخارجية. أحدٌ منهم لا يريد التنبُّه إلى أنّ الكثافة السكّانية في الكيلومتر المربّع الواحد 540 شخصاً، وهذا يعني أنّ انفجاراً سيقع في كلّ كيلومتر.
والأسوأ أنّ أماكن النازحين واللاجئين، على حَدّ سواء، صارت منذ أُقيمت، بؤَراً أمنية بأجندات خارجية مئة في المئة. فالسلطة الفلسطينية لا تنفي أو تؤكّد عدمَ علاقة اللاجئين من شعبها بأيّ تحالفات أو خلافات داخلية، لكنّ واقع الأمر أنّه مع كلّ تطوّر أمني نجد أنّ مخيّماً من المخيّمات هو بمثابة غرفة عمليات، أو في أسوأ الأحوال ملجَأ لفارّين وإرهابيين، ومخيّما نهر البارد وعين الحلوة مَثلٌ ومثال. وحكاية اللبنانيين مع المخيّمات طويلة، وتعود إلى اتفاق القاهرة الذي لم يبقَ في البلاد ولم يذر.
كما أنّ مخيّمات «النازحين» صارت عنواناً للبيئة الحاضنة للإرهابيين ومستودعاً للأسلحة الموجّهة ضد اللبنانيين وجيشهم، حتى إنّ نظام الأسد لم يسمح بعودة بعض مِن بَني سوريا إلى ديارهم، ولم تُفلِح مناشدات مَن تبقّى من أبنية الدولة السياسية والحقوقية في إيجاد حلٍّ للذين علقوا على الحدود.
أحدٌ لا يستطيع إغفالَ أنّ السوريين والفلسطينيين هربوا من بلادهم، بلاد الموت الرهيب، ولجأوا إلى إلى وطن اللجوء المرعب لبنان، وركنوا في مخيّمات يتعرّضون فيها لأحلك وأسوأ ظروف الحياة.
كلّ ذلك، في ظلّ فشل دوليّ في دعم أزمة اللاجئين والنازحين معاً. ونداءاتُ الأمم المتحدة لم تُفضِ إلى شيء. كما أنّ بعض الدول العربية لم تمنح أيَّ فرصة لاستقبال الهاربين السوريين من جحيم الأسد والمنظمات الإسلامية، ولو فرصَة أهلية الدخول لاعتبارات إنسانية لهم، باستثناء بعض التقديمات الماليّة واللقاحات الطبّية.
هكذا دخلَ لبنان مجَدّداً موسوعة «غينيس» مسجّلاً رقماً قياسياً باعتباره يسجّل أعلى نسبة لاجئين ونازحين في العالم، مقارنةً بعدد السكّان، وفي ظلّ غياب إحصاءات جدّية وصحيحة عن عدد هؤلاء. ورئيس الحكومة تمّام سلام، جُلّ ما وفّقَه الله إليه هو الاستغاثة: «دعوا شعبي يعيش»، من دون لا رأي ولا رؤية تجِد للمعضلة القائمة حَلاً أو بوادرَ حلّ.
«نداءُ المحبّة» الذي وجّهَه سلام أغفلَ سياسة «الحدود المفتوحة» التي سَلكها البلد منذ اندلاع الثورة السورية، فكانت النتيجة ما صارت أوضاعُنا عليه: المجتمع الدولي غائب كلّياً باستثناء بعض المشاعر الإنسانية المسبوغة بنكهاتٍ يسارية لا تُقدّم ولا تُؤخّر، والديموغرافيا تهدّد الكيان برُمَّته.
فذات يوم قال البعض إنّ الفلسطينيين في لبنان هم جيش المسلمين، فكان الانفجار الرهيب الذي استمرّ حتى تسعينيات القرن الماضي.
البلد صار محافظةً من محافظات سوريا، أو ساحةً من ساحات فلسطين.