في شباط 1989، وفيما كان كرسي الرئاسة شاغراً، والحكومة حكومتان، واحدة برئاسة عون والثانية برئاسة الحّص، والجيش جيشان، واحد برئاسة عون والثاني برئاسة سامي الخطيب، والمصرف المركزي مصرفان، واحد في جونيه والثاني في الحمرا…
في ذلك الوقت العصيب بالذات، لم يكن احد ليتخيّل بأن الحّل لمعضلة الفراغ والإنقسام والشلل، بسيط للغاية.
في مؤتمرٍ صحافي عقده العماد ميشال عون منتصف شباط 1989، اخرج الجنرال من جعبته “خارطة طريق” تتضمّن حلاًّ لجميع هذه المُعضلات مجتمعةً، فقال:” سيدتي، انا رئيس و6 وزراء”. “Madame, je suis president et 6 ministres”. فحُلّت عُقدة الفراغ على كامل اراضي الجمهورية، وقال لنا الكريم خُذوا!!!
هذه “العبارة الذهبية” رافقت حقبة الحكومة العسكرية العونية في تلك المرحلة، وشكلّت الوصف الأدق للحالة العونية واسلوبها في العمل والتفكير!
ما اشبه باليوم بالأمس!
اليوم، يرفع التيار العوني شعار “لا شيء اسمه فراغ” هادفاً الى التقليل من وطأة افعاله التي لا تستجلب إلاّ الفراغ بعد الفراغ، بعد الفراغ…
موقف التيار العوني من موضوع التمديد لا يمّت الى المبدئية بصلة، وإلاّ لكان استقال وزراؤه ونوابه مباشرةً بعد التمديد الأول، جُلّ ما يعنيه هو محاولة تكرار خدعة “الأرثوذكسي” حتى يُعيد إحياء شعبيته المتلاشية.
ولكن لا ظروف “الأورثوذكسي” تُشبه ظروف التمديد، ولا اولويات تلك الظروف تُشبه اولويات اليوم، ولا الذين اخطأوا في إخراج موقفهم وتسويق افكارهم حينها، هم بصدد الوقوع في الخطأ من جديد اليوم.
مسؤولية عدم إجراء الإنتخابات في لبنان تتحمّلها قوى الموالاة، وفي مقدّمها “حزب الله” وملحقه التيار العوني، وليس القوى غير المشاركة في الحكومة، كـ”القوات اللبنانية”.
مسؤولية وقوع لبنان في الفراغ المؤسساتي والفوضى والمجهول تتحملّها القوى التي تتمنّع عن حضور جلسات انتخاب الرئيس، وتتلكّأ عن إعداد العدّة للإنتخابات النيابية، وهي قوى مُمثّلة في الحكومة، لا خارجها.
من المسؤول عن انتهاء المهل الدستورية من دون إنجاز الإستعدادات الإدارية واللوجستية اللازمة لإجراء الإنتخابات؟ الحكومة ام المعارضة؟ القانون الدستوري يقول “الحكومة”، امّا التيار العوني فيقول “القوات اللبنانية”!
من ثقب الأوزون؟ مؤتمر كوبنغاغن يقول “الإنبعاثات الحرارية والتلوث في العالم”، امّا التيار العوني فيقول: انطوان زهرا في البترون!
المعادلة اليوم ليست: “انتخابات او تمديد”، وإنما “تمديد او فراغ”. امّا التيار العوني فمعادلته كانت وما زالت: “انا او الفراغ”… “انا، ومن بعدي الطوفان”.
في العامين 1989 و1990 شنّ صاحب مقولة “انا او الفراغ” حروباً عشوائية، بإسم المسيحيين، افضت الى اسقاط نظام 1943 ولكن من دون ان يكون للمسيحيين مشروعٌ بديل عن الـ43. وهكذا خرج المسيحيون من “صيغة المناصفة” عملياً، ودخلوا في “صيغة الترويكا”.
ما يحاول التيار العوني فعله اليوم هو تكرار لسيناريو 89/90 وإنما بنسخةٍ جديدةٍ ومُنقحّة. “صيغة الترويكا” التي جرّنا اليها “العوني” في السابق، يريد تكريسها فعلياً في الدستور، اليوم.
يحاول التيار العوني إلصاق “تهمة” الطائف بالغير، ولكن ما يريد زجّنا به اليوم، يجعلنا نترحّم على “الطائف” الف مرّة.
الفارق بين الروليت الروسية، والروليت العونية، هو ان “الروسية” ليس فيها إلاّ رصاصة يتيمة، امّا “العونية” فكلها رصاصٍ طائش، وقاتل.
في الروليت الروسية قد يموت المغامر بمفرده، اما في الروليت العونية، فقد ينجو ويهرب المغامر بمفرده… ولكن بشرط ان يُقضى على مجتمعٍ بأكمله.
عندما تهدد الخطر لبنان، فكّر المسيحيون بـ”القوات”…
وعندما صارت الشرعية في مهب اهواء الجنرال العام 1990، فكّر الحكماء بحكيم “القوات”…
وعندما تهدد الإغتيال والتعطيل والإبتزاز وقطع الطرق لبنان منذ العام 2005 ولا يزال، فكّر اللبنانيون بـ”القوات”…
واليوم، كما بالأمس، وإذا تَهَدّد “المؤتمر التأسيسي” الوجود السياسي المسيحي في لبنان، بمن تُفكّر؟
إذا بات لبنان امام خيارين لا ثالث لهما: تعديل مهل الإنتخاب ام الفراغ القاتل، بمن تُفكّر؟