لم يعش وطن دجلاً سياسياً كالذي يحصل الآن في لبنان! كأنها تلك الايام التي سبقت حرب الالغاء، عندما اجتاحت الكذبة قصر بعبدا بنجاح كبير…
كان من غير الطبيعي أن يقبلوا المبادرة! كانت لتكون من أفضل المبادرات العملية المتوافرة لانقاذ البلاد في هذا الظرف، لكنها مرفوضة… رُفضت وبعنف! تحولت الى “roman” معيبة على لسان الجنرال، وعملية سطو على المجلس النيابي بلسان صهره، صمت حزب السلاح ولم يكلف نفسه عناء التعليق عليها، واختفى الباقي، والمبادرة؟ تلك المسكينة التي كانت كافية لانتشال الجمهورية من الخراب، ذهبت الى ادراج النفاق منهكة من وطأة الكذب. كانت مبادرة للانقاذ وهنا المشكلة!
مرفوضة أولاً وآخراً لان مصدرها الدكتور سمير جعجع، ولعل الجحيم بحد ذاته أقرب من هذه الشخصية الى منطق “8 آذار” ولن نقول قلوبهم بالتأكيد، اذ انها بعيدة مسافات ضوئية على الاقل عنه، لكن الكلام هنا ليس حديث قلوب ولا تفجّع محبين، الحديث هنا عن مصير وطن بكامله وهنا العقدة. فالدكتور جعجع اقترح مبادرة حل تقضي بانتخاب رئيس للجمهورية في الجلسة المخصصة للتمديد لمجلس النواب خصوصاً بعدما رشّح رسمياً حسن نصرالله ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وتجنباً لكأس التمديد الذي تجرّعناه مرغمين، دعا الى تحويل الجلسة الى جلسة انتخاب رئيس للبلاد على أثرها توضع الجمهورية على السكة الصحيحة بدل أن تكون من خارج السكة نهائياً،فهل كانت مبادرة بعيدة عن منطق الامور؟! هل هي جريمة اطلاق مبادرة مماثلة؟!
طبعا هي أكبر جريمة، أو لعلها جريمة موصوفة في لبنان أن تبادر الى حلول أو محاولات انقاذ، لان الحاكم بأمره هنا لا يريد أساسا الحل، يرد الفراغ الكامل ليصل الى مبتغاه في تغيير النظام ولا نظام بديل، بحسب ما حذّر جعجع، لا يريد الحل لانهمتورط حتى اذنيه بالحرب السورية ويستفيد من الفراغ لتمديد اقامته “المريحة” في ربوع الشام تمهيدا للوصول الى مبتغاه المرتجى في بيروت، وها هو النائب ميشال عون حاضر دائما وأبدا لتنفيذ الاجندة كما يريد الحزب وأكثر مما يشتهي.
اذن المبادرة مرفوضة لانها تنقذ البلاد، وفي انقاذ البلاد موتهم وهم يريدونه أنقاضاً ليعيشوا. مبادرة مرفوضة لانها تعيد التألق رويداً رويداً للبنان الجمهورية، لرئيس البلاد المغيّب قسراً وتخطيطاً وعمداً منذ شهور وسنين، للبنان الدولة المحترمة، للبنان الارز والمؤسسات والقوى الامنية التي تبسط الامن بالقانون وليس لحكم الدويلات الحاكمة بقانون السلاح غير الشرعي المتناثر هناك وهنالك.
رفضوا المبادرة، وكنا نعلم انهم سيفعلون، ولعلّ الحكيم كان يعرف هذا أيضا، لكن حسبه ضميره الوطني الذي يلزمه أن يحاول عشرات المرات ومئات المرات ليكون منسجماً مع نفسه ومبادئ حزبه وقاعدته الشعبية، والا لتحوّل مثل الاخرين، الى بائع كلام للاستهلاك الشعبوي الفارغ، كما حصل تماماً قبل وبعد جلسة التمديد للمجلس الحالي، وكيف استغل التيار العوني تحديداً الجلسة للادعاء بأن “مرة جديدة هناك خرق للإجماع المسيحي مثل ما حصل في اتفاق الطائف” كما قال جبران باسيل، والاحلى تلك العبارة الطنانة “نفهم أن نُذبح من “داعش” ولكن لا نفهم أن نُذبح سياسياً من الشريك في الوطن”!!!
هو نفسه الدجل السياسي التاريخي الذي يجتاح لبنان منذ نحو خمسة وعشرين عاماً، والواقع ان هذا هو الاحتلال الحقيقي الذي يرزح لبنان تحت أسلحته الفتاكة، الكذب والاعلام.
كانوا يعلمون أن التمديد حاصل حاصل، هم في الحكومة منذ نحو السنة ولو لم يكونوا فيها لهبّطوا البلاد فوق رؤوسنا، هم في الحكومة ولم يتكلموا مرة واحدة عن الانتخابات النيابية، لم يقترحوا، لم يسألوا، لم يطالبوا، لم يلحّوا في الطلب، لم يقدموا استجواباً للحكومة عن تقاعسها في هذا المجال، ولم ينسحبوا بطبيعة الحال عندما تأكدوا أن لا تحضيرات لوجستية وقانونية لاجراء انتخابات نيابية، وأن لا نيّة أساساً لاجرائها. وعندما حانت ساعة الحقيقة صرخوا انهم ضد التمديد! باعوا الشعب العظيم المادة الاكثر استهلاكاً، الكلام الشعبوي الذي يتطابق ورغبات الناس، هذه سياسة بحد ذاتها، هذا جوهر، هذا ليس اسلوباً انما هذا هو الدجل الموصوف في الحياة السياسية اللبنانية.
بعد اطلاق مبادرته في المؤتمر الصحافي، تحلّق صحافيون حول الدكتور جعجع، ومن مؤسسات اعلامية متنوعة، تابعة لـ 8 و14 اذار، أسئلة بالجملة انهمرت عليه، زميل من تلفزيون “الجديد” سأله “دكتور جعجع أيمتى رح تنصف حزب الله؟” أجاب “أنا أكثر سياسي انصفهم، هيك أنا عم انصفهم”. ضحك الصحافي: “أنت تنسفهم”، أجاب آخر “ينسفهم لينصفهم”. زميل آخر سأله معاتباً: “ليش دكتور ما بتفوتوا بالتسوية وبترتاحوا؟”. ابتسم الدكتور جعجع، هزّ برأسه وأجاب باللغة الفرنسية: “أساوم؟ هيك ما منكون “قوات لبنانية” هيدي مش “القوات اللبنانية”…
كانت مبادرة ليست للمساومة ولا لبيع المواقف، كانت مبادرة لنتجنّب الدخول مرغمين بالتمديد، كانت مبادرة لننتخب رئيساً للجمهورية، كانت مبادرة لاجل الا نسمع ذاك الدجل والا نرى ذاك الاداء المحزن المخزي، كانت مبادرة لنعود الى قلب الجمهورية وليس لتتوسع رقعة احتلال الجمهورية من قبل الدجالين، كانت لتكون مبادرة انقاذية بامتياز، رفضت، ولم يطرح عنها بديل، وبدل أن يصمت الرافضون، أعلنوا الحرب، أعلنوا الكذب، أعلنوا كرههم للوطن ولو قالوا عكس ذلك، لم تنته حرب الالغاء على الجمهورية اللبنانية، اليوم بدأت من جديد…
