Site icon Lebanese Forces Official Website

المسيحيون قبل ميشال عون

كل مرّة نعاهد أنفسنا التعالي عن الزكزكات “العونيّة” وفتح صفحة جديدة على أساس اننا أصبحنا في زمن آخر، يطل علينا رئيس تكتل “التغيير والاصلاح” ميشال عون وبعض قياديي “التيار الوطني الحر”  بنبش الماضي وتحميل مسؤولية ما آلت اليه أوضاع المسيحيين إلى “القوات اللبنانية” مستحضرين الماضي المؤلم وممعنين في نكء الجراح.

من الصعب أن يصدّق اي عاقل ان ما انزلته حروب العماد ميشال عون بالمسيحيين من خسائر بين عامي 1988 و1990، كان رغم ارادته وبفعل مؤامرة كبرى حيكت ضده شخصياً. فالعماد عون كان قائداً للجيش ورئيساً لحكومة انتقالية عام 1988، وكان من واجبه أن يكون على مستوى المسؤولية، وأن يكون مدركاً للمؤامرات والمخططات المرسومة من الأعداء مهما بلغت حنكتهم ودهاؤهم.

من هنا، يمكننا القول من دون أي عذاب ضمير: إذا كان العماد عون يعرف ما كانت ستؤدي اليه حروبه فتلك مصيبة، وإذا كان لا يعرف فالمصيبة أكبر.

وانعاشاً للذاكرة، خاض العماد عون حربين: حرب التحرير ضد الاحتلال السوري في 14 آذار 1989، وحرب الإلغاء ضد “القوات اللبنانية” في جزئين 14 شباط 1989 و31 كانون الثاني 1990. والمفارقة انه بدأ بحرب تحرير وانتهى بعملية عسكرية خاطفة قام بها الجيش السوري وألوية الجيش اللبناني بإمرة العماد اميل لحود الذي كان القائد الشرعي للجيش آنذاك، ثم نُفي إلى فرنسا وبقي فيها حتى عام 2005.

ولعل أصدق برهان على فداحة خطايا “الجنرال” بحق المسيحيين، تلك الواقعة التي حصلت يوم الجمعة 27 تموز 1990 عندما أبلغ القاصد الرسولي بابلو بوانتي ميشال عون رسالة الفاتيكان إليه:”إني مكلف أن أنقل إليك رسالة عاجلة… سلّم كل شيء للشرعية: بعبدا واليرزة. تلك هي إرادتنا الرسمية والنهائية من أجل إنقاذ لبنان الذي نريده، لبنان السيادة، والحرية والتعايش. وكذلك من أجل الحفاظ على دوره ورسالته في العالم العربي. إن الرحيل يستلزم شجاعة، فلتكن عندك هذه الشجاعة. ذلك أن الوقت لا يفتأ يطيل آلام الشعب ويُسرّع هجرة المسيحيين الذين ينبغي المحافظة على وجودهم، وإلاّ فالبلاد مهددة بالتقسيم، والتفتّت والزوال حتى. إذا كنت حريصاً على بقاء لبنان والمسيحيين، فاستقِلْ”. وبقدر ما كانت رسالة القاصد الرسولي واضحة، سأل عون زائره: “ممن هذه الرسالة؟”، فأجابه: “إني أتحدث باسم البابا، أيها الجنرال”… ردّ عون:”قلْ للبابا إنه رئيس الكاثوليك في العالم، أما في لبنان وفي الشرق الأوسط، فأنا رئيس المسيحيين”… وكان هذا آخر لقاء بين الرجلين.(1)

ربما يظن البعض أن الكلام عن تلك المرحلة لم يعد مفيداً، وربما يجد كثيرون بعض التبريرات والأسباب التخفيفيّة لحروب العماد عون خلال عامين وُصفا بالأكثر جنوناً خلال الحرب نظراً إلى الكمّ الهائل من التناقضات والتقلبّات التي شهدها لبنان في تلك المرحلة.

المسيحيون وُجِدوا في لبنان قبل العماد ميشال عون. صحيح انهم كانوا في حالة حرب تخللها هزائم وانتصارات، الا انهم لم يتخلوا يوماً عن كرامتهم وعنفوانهم بل دافعوا عن مناطقهم وبيوتهم، فصمدوا وكانوا دائماً حاضرين للمواجهة حتى نجحوا في تثبيت حضورهم في أي معادلة أو تسوية يُفاوضون عليها ومن منطلق قوة لا ضعف، وذلك نتيجة مكتسبات تحققت بفعل هذا الصمود وتضحيات آلاف الشهداء المسيحيين الذين سيّجوا بدمائهم حدود منطقتهم الحرّة. لكن من يمعن النظر ويجيد استخلاص العبر، يدرك ان العماد عون أضاع تلك المكتسبات التي حققها المسيحيون خلال الحرب، وهي بإعتراف الأعداء والخصوم، عسكرية واقتصادية واجتماعية.

Exit mobile version