
إن الانقلاب الذي يتعرّض له لبنان منذ فترة يستهدف القضاء على الكيان عن طريق وقف العمل بالدستور، وإحلال الفراغ في مؤسساته الشرعية بدءاً من رئاسة الجمهوريّة مروراً بالسلطة التشريعية وصولاً إلى السلطة التنفيذية وشلّ التعيينات في الأجهزة الأمنية والجيش اللبناني وتعطيل دورهما.
حتماً هذا الأمر لا يخدم أولاً وأخيراً سوى المنظّمة الرديفة للدولة وهو “حزب الله” الذي أصبح بإمكانه من خلال سلاحه لعب دور الدولة معتمداً على الغطاء السياسي الذي يؤمنه رئيس تكتل “التغيير والاصلاح” ميشال عون الذي تناسبه عملية القضاء على الدستور وتجريده من كل معنى.
كان العام 2008 بدأ بتصريح لوزير الخارجية السوري وليد المعلم يوكل فيه أمر الحوار اللبناني الى عون، فقدّم “الجنرال” فروض الشكر والطاعة للنظام السوري خلال زيارته الأولى لسوريا، ناسفاً بذلك كل محطات النضال اللبناني ضد الوصاية السورية وضد انتهاك سيادة لبنان واستقلاله. وقد استغل عون المناسبة خير استغلال فكشف عن طموحه: تعديل الطائف، من دون أن يغيب عن باله الطموح الرئاسي.
في المبدأ لا مشكلة مسيحيّة مع اتفاق “الطائف” كما لا مشكلة لأيّ طائفة مع اتفاق “الطائف”. حقوق الطوائف محفوظة في “الطائف” على قاعدة المساواة. وإذا كان من مشكلة لـ”حزب الله” مع “الطائف”، فلا مشكلة لطائفة هذا “الحزب”، إنما المطلوب في هذا المجال هوَ بلورة ديناميّات تطبيقه. وعلى سبيل المثال، فإنّ المشكو منه مسيحيّاً على صعيد قانون الانتخاب، هو محلّ شكوى لدى طوائف أخرى، فمن قال ان التمثيل السياسيّ العادل لكل الطوائف ليس مطلباً عاماً؟ “حزب الله” يستفيد من رأس الحربة المسيحيّ، أي النائب عون.
ليس سرّاً ان عون يراهن دائماً على انتصار ايران في معركتها مع الدول الكبرى المتعلقة ببرنامجها النووي، واخيراً بات يراهن على انتصار الحلف السوري- الايراني في الحرب السورية، وانه يأمل في ان يحقق له هذا الانتصار الايراني مكاسب سياسية تعزز مواقعه في الساحة اللبنانية نتيجة تحالفه الوثيق مع “حزب الله”.
وهنا لا يتردد “الجنرال” عن اسداء الخدمات لـ”حزب الله” السعيد بلا شك بـ”حصان طروادة” المسيحي، لأنّ استمرار تعطيل المؤسسات الدستوريّة يكسبه وقتاً لتعزيز قوته… وفيدراليته أو دولته. وهو سعيد بـ”حرب” مسيحيّة على الصيغة لأن البداية المسيحيّة مطلوبة كي “يصل” الموضوع إليه. وهو سعيد لأنه يملك الصيغة البديلة بل يملك مقوّماتها، وهو ينتظر أن يحين الآوان ليتم “تشريع” الواقع القائم. وصيغة “حزب الله” هيَ فيدرالية شيعيّة تحت مسمّى “المثالثة”.
بيدَ أن ما يلعب به عون خطير جداً. فالمسيحيّون هم أول ضحايا إعادة نظر في الصيغة تحت أي عنوان. ويجب ألا يتفاجأ أحد بالقول إن الشيعة هم الضحايا الآخرون. والمقصود هنا عامّة الشيعة وليس “شيعة حزب الله”. فقد يعتبر “حزب الله” أنّ فيدراليته أو دولته قابلة للحياة بسبب الدعم الإيراني أو السلاح (بل الجيش الخاص)، غير أنه لا يمكن ربط مصير طائفة بعوامل “عابرة” أي “غير دائمة”. وما كشف المستور هو أن “وثيقة التفاهم” بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” لم تذكر اتفاق الطائف مطلقاً، وبعدها مباشرة جاء اقتراح ايراني قُدّم الى الفرنسيين بتعديل الدستور واقرار المثالثة بدلاً من المناصفة، وتابع “الجنرال” تلك الخطة بتصريح أعرب فيه انه يريد المس بصلاحيات رئيس الوزراء السني، ما يؤكد وجود مؤامرة مُحكمة ضد اتفاق “الطائف”.
الطرف الأقوى في جبهة “8 آذار” هو “حزب الله” لم يكن يوماً مشاركاً حقيقياً في دولة “الطائف”، ولم يشارك في الحكومات المتعاقبة الا بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقد عمل وزراؤه بما يخالف روحية “الطائف” فاعتكفوا واستقالوا مراراً وتكراراً، عندما أراد مجلس الوزراء ممارسة عمله بالتصويت على مشروع المحكمة الدولية، اذ أن الدستور ينص على التوافق في القرارات، وخصوصاً المصيرية منها واذا تعذر ذلك يتم التصويت بأغلبية الثلثين، وهذا ما رفضه “الحزب”. وعندما فشل “حزب الله” وعون في اطالة أمد حالة الفراغ وحالة اللادولة الى ما لا نهاية، أجبرا على التوقيع على اتفاق الدوحة نتيجة لضغوط اقليمية، وتم انتخاب رئيس للجمهورية ثم تكليف الرئيس فؤاد السنيورة، ليبدأ بعد ذلك عملية تعطيل مبرمجة لاتفاق الدوحة من خلال أمرين: الأول سياسي عبر فرض شروط داخل الحكومة، والثاني أمني من خلال جولات التوتير المستمرة. وهذا الأسلوب مستمر في محاولة نسف اتفاق الطائف حتى ولو كلّف ذلك حرباً أهلية تفرض واقعاً ودستوراً جديدين. هذا ما يبرر دفع “حزب الله” بالبلد في اتجاه الفراغ تحضيراً لانقلاب على الصيغة اللبنانية واتفاق الطائف على غرار الإنقلاب الذي شهدته إيران.
أما العماد عون وفي كل المراحل التي مرّ بها منذ عودته من فرنسا، لم يظهر ولو مرة واحدة مع حلفائه، سواء كانوا في المعارضة أو في السلطة، أنهم أصحاب برنامج حكم حقيقي مفصّل ودقيق يتضمن اقتراحات محددة وواقعية ومدروسة وقابلة للتطبيق لإدارة شؤون لبنان ولمعالجة مشاكله المعقدة. بل اظهرت التجربة انهم أصحاب برنامج تعطيل وتسلّط اذ انه قام بالتفاهم مع “حزب الله” على تعطيل المؤسسات الشرعية وامتناعهم عن النزول إلى المجلس النيابي لإنتخاب رئيس ما لم يكن عون الرئيس المتفق عليه، وبالتالي اضعاف النظام الديمقراطي والدولة والاستسلام لأداء “حزب الله” الساعي إلى شل قدرة الجيش والقوى الامنية على حفظ السلم الاهلي وحماية المواطنين أو إقحام الجيش في معارك مع التكفيريين نتيجمة استدراجهم إلى لبنان بعد تورّطه في الحرب السورية.
جلّ ما فعله “الجنرال” هو خدمة حليفه في تعميم الفراغ للوصول إلى “المثالثة”. يتصرف عون كأن البلد ليس بلده وكأن معاناة ابنائه ليست مسؤوليته وكأنه يريد ان يجعل اللبنانيين يندمون على تمسكهم باستقلالهم وسيادتهم، ويريد ان تدفعهم الى اليأس من دولتهم. منذ توقيع “وثيقة التفاهم” يبدو الحليفان مصممان على الانقلاب على “الطائف” وها هو المشهد يزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، من هنا خضوع بعض قوى “14 آذار” مكرهين لفكرة التمديد تبعاً لمبدأ “الكحل أحلى من العمى”، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان من الخبراء في الشؤون السياسيّة.
