اعتبر مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان في مؤتمر العائلة وتحديات العصر “ان امامنا مسؤوليات جساما للعمل معا في مواجهة ثنائية التطرف والإرهاب، وثنائية الظلم والاستبداد”.
وقال: “نحن امام ظاهرة سلبية مدمرة لا تستهدف المسيحيين وحدهم، ولكنها تستهدف المسلمين والمسيحيين معا. وذلك من خلال استهدافها الانسان في حقوقه المقدسة، والمواطن في كرامته الإنسانية. ان هذه الظاهرة الطارئة على مجتمعنا وعلى ثقافتنا وادياننا لا تطعن العلاقات الإسلامية – المسيحية فقط، ولكنها تطعن صميم الإسلام الذي ترتكب باسمه جرائمها ضد الإنسانية. الإسلام دين الرحمة والمحبة. دين الدعوة الى احترام الكرامة الإنسانية وحقوق الانسان وحرية العبادة لله الواحد. وهو الدين الذي يعتبر المسيحيين تخصيصا اقرب مودة للذين آمنوا، ذلك بان “منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون”، كما ورد في القرآن الكريم”.
واعلن “ان في أساس عقيدتنا الدينية، وليس في ثقافة عيشنا المشترك فقط، مبادئ ثابتة تؤكد ان الفهم الصحيح للدين يتضمن قبول الآخر المختلف دينيا، والعيش معه، واحترام خياراته الايمانية وخصوصية شعائره وشرائعه التوحيدية لله. من هنا يختلف الحوار الإسلامي المسيحي في أوروبا مثلا في جوهره وفي طبيعته عن الحوار الإسلامي – المسيحي في لبنان او في العالم العربي. فاذا كان الحوار في الحالتين امرا لا غنى عنه من اجل حياة مشتركة، فهو عندنا حوار حياة يدور بين أبناء مجتمع واحد، ووطن واحد، وعائلة واحدة، وان تعددت فيها الأديان والمذاهب”.
وقال :”لقد عشنا مئات السنين معا مختلفين دينيا وعرفت حياتنا المشتركة أيام سعادة ورخاء وايام بؤس وشقاء، الا اننا صنعنا حضارة واحدة وثقافة واحدة. ولذلك فان هدف حوارنا اليومي هو تنمية ثقافة تقبل الاختلاف واحترام المختلف معه والعيش معه بثقة ومحبة. ونحن لا نسعى من وراء حوارنا الى تخطئة الآخر او الى تسفيه رأيه، انما نتطلع الى البحث عن الحقيقة في وجهة نظره المختلفة. وهذا يعني اننا ننطلق في حوارنا من الإقرار باننا عندما نقوم بمهمة تنظيم علاقاتنا الإنسانية والوطنية لبناء قاعدة مشتركة لحياتنا، فان أيا منا لا يملك الحقيقة المطلقة. وانه لا بد من الحوار لبناء جسور المعرفة التي تعبر عليها الحرية المتبادلة التي بدونها لا يمكن ان يقوم عيش مشترك، ولا حتى عيش منفرد”.
واضاف: “من خلال ذلك، نفهم ونقدر ما ورد في الرسالة الرعوية لرؤساء كنائس الشرق والتي جاء فيها: “نحن نواجه والمسلمين اخوتنا مصيرا واحدا تشدنا اليهم روابط التراث والانتماء الوطني الواحد. نحن واياهم في الطاعة لله الواحد، نشترك في القيم الإنسانية ذات المصدر الواحد كالمودة والتسامح والمساواة، وهي مدعوة ان تتجلى، لا في تعايش او تجاور فحسب، بل في لقاء انساني اصيل”.
وأكد “ان من أهم القواعد التي تقوم عليها حياتنا المشتركة هي قاعدة الحق”. وقال: “قد تقوم حياة مشتركة على قاعدة التسامح. ولكنها لا تدوم. ذلك ان في التسامح نوعا من الفوقية. فوقية المتسامح تجاه المتسامح معه. والاوطان التي تقوم على هذه القاعدة تبقى دائما معرضة للاهتزاز والتصدع لدى وقوع أي تغيير على المعادلات السياسية او الاجتماعية او حتى على المزاج العام. قد يقوم وطن على قاعدة التسامح ولكنه لا يستطيع ان ينهض وان يستمر ويزدهر على أساس هذه القاعدة لما فيها من دونية تنتهك كرامة الانسان وكرامة الجماعة المتسامح معها. هذا لا يعني انكار فضيلة التسامح بين الناس. الا ان المحبة قيمة اسمى، وما يصح في العلاقات التسامحية بين الافراد، على أهميته، لا يصلح ان يحل محل الحقوق الوطنية. ان احترام هذه الحقوق هو الذي يحقق العدالة والمساواة بين المواطنين، وهو الذي يصون لهم حرياتهم، وهو الذي يؤمن الاستقرار والازدهار والسلام”.
واضاف: “لا نريد ان نرى أهلنا واخواننا وأحبتنا من مسيحيي الشرق يهاجرون من اوطانهم تحت أي ظرف من الظروف. ولا نريد ان نرى تسهيلات خارجية تشجعهم على الهجرة تحت مسميات إنسانية. انهم ملح هذه الأرض، فاذا غادروها فبماذا نملح؟.. نريد ان نراهم متمسكين بأوطانهم، متجذرين في أراضيهم، مستمتعين بحقوق المواطنة كافة من عدالة وامن وسلام. فالاعتداء على أي منهم هو اعتداء علينا جميعا. ولذلك فان التصدي لظاهرة الإرهاب الالغائي للآخر، والتي تستهدفنا معا، هي مسؤوليتنا المشتركة. ويجب ان نقوم بهذه المسؤولية معا”.
وأشار دريان الى “ان للشرق الأوسط تاريخا طويلا وغنيا. غير ان المأساة في هذا التاريخ تتمثل في نظرية للمفكر الفرنسي الشهير مونتيسكيو يقول فيها: “ان الشعوب السعيدة هي الشعوب التي لا تاريخ لها”. وقال: “نحن المسلمين والمسيحيين شعب واحد. ولنا تاريخ واحد. وهو بكل واقعية تاريخ طويل وهو مستمر في المستقبل أيضا. سوف نواجه معا الفتنة الحالية. وسوف نتجاوزها معا. وسوف نعيد بناء مجتمعاتنا معا أيضا. لأننا في الحسابات الأخيرة نكون معا او لا نكون”.