#adsense

عدوان في مؤتمر العائلة: للعمل على إعادة تأسيس العيش المشترك بشروط الدولة بدلا من شروط أحزاب أو ميليشيات طائفية

حجم الخط

رأى نائب رئيس حزب “القوات اللبناية” النائب جورج عدوان أن “العيش المشترك يقوم على الحوار الدائم والاحترام المتبادل وعلى قبول الآخر المختلف دينيا أو مذهبيا أو ثقافيا، وعلى العيش معا وعلى احترام قناعات وخصوصية شعائر وشرائع كل طرف وعلى ممارسة الحوار كأداة لبناء الثقة ولإقامة علاقات الصداقة والاحترام مع احترام حدود المغايرة والاختلاف”.

واضاف عدوان في كلمة له خلال مؤتمر العائلة وتحديات العصر في الشرق الأوسط : “يقضي العيش المشترك بالسعي للتفهّم المتبادل، وتوسيع المساحات المشتركة، وصياغة التوافقات والبناء عليها، ووضع الاختلافات في نصابها، والعمل على حلّ المشكلات الناتجة عنها”.

ولفت الى أن “لبنان مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تقديم هذا النموذج ليقتدي الآخرون به ولتقتدي دول المشرق العربي به، وهذه مسؤولية أساسية تقع على كل مكوناته لان سقوط هذا النموذج لا بديل له إلا دوامة في العنف والدمار وقيام كيانات جديدة موقتة متصارعة تحمل في طياتها مشاريع زوالها”.

وشدّد على أن “لبنان لا يمكن أن يكون الا تعدديا وديمقراطيا ووفاقيا،  ومركزا للعبادة لدى الجميع”، مشيرا الى أنه ” لا خلاص لما تعيشه المنطقة إلا بصناعة الدولة المدنية.

وأكّد عدوان أنه “من الضروري العمل على إعادة تأسيس العيش المشترك بشروط الدولة  بدلا من شروط أحزاب أو ميليشيات طائفية وان تستعيد الدولة حقها في احتكار القوة المسلحة وان تتحرر من القيود التي تشل عملها وهي بالضرورة دولة مدنية حيث القانون يسري على الجميع من دون تمييز، وحيث القضاء مستقل عن السلطةِ السياسية، وحيث يتاح للمواطن اختيار نظام مدني لأحواله الشخصية، حيث لا يتم استخدام الدين كمآرب سياسية، وحيثُ لا يتعرض الإنسان لأي تمييز امرأة كانت أم رجل”.

 

الكلمة كما جاءت:

مؤتمر العائلة وتحديات العصر في الشرق الأوسط  7و8 تشرين الثاني 2014

 مكان العيش المشترك ومكانته في خريطة الشرق الأوسط الجديد

النائب جورج عدوان

يقومُ العيشُ المشتركِ على الحوارِ الدائمِ والاحترام المتبادلِ وعلى قبولِ الآخرِ المختلفِ دينياً أو مذهبياً أو ثقافياً، وعلى العيشِ معاً وعلى احترامِ قناعاتِ وخصوصيةِ شعائرِ وشرائعِ كل طرفٍ وعلى ممارسةِ الحوارِ كأداةٍ لبناءِ الثقةِ ولإقامةِ علاقاتِ الصداقةِ والاحترامِ مع احترامِ حدودِ المغايرةِ والاختلافِ.

ويقضي العيشُ المشتركِ بالسعي للتفهّمِ المتبادلِ، وتوسيعِ المساحاتِ المشتركةِ، وصياغةِ التوافقاتِ والبناءِ عليها، ووضعِ الاختلافاتِ في نصابِها، والعمل على حلِّ المشكلاتِ الناتجةِ عنها.

ولا يستقيمُ العيشُ المشتركِ بغيرِ إحترامِ خصوصيّاتِ ومشاعرِ ورموزِ ومقدّساتِ كلّ فريقٍ. ولا يقتصرُ ذلك على سلوكِ أهلِ كلِّ فريق ٍتجاه الآخرِ، وإنّما يعبّرُ عن نفسِه كذلك في وقوفِ الطرفين معًا ضدَّ أيّ إمتهانٍ لمقدّساتِ أيِّ منهما أيًا كانَ مصدرُه. إذ لا يجوزُ أن يُساءَ إلى الإنسانِ لا بسببِ عقيدته أو قناعاتِه، ولا بسببِ دينِه أو مذهبِه..

إنَّ قضيةَ العيشِ معاً هي اليومُ  موضعُ تساؤلٍ وإهتمامٍ وعنايةٍ كبيرةٍ في منطقِتنا بل وفي العالمِ، خاصةً بعد اشتدادِ موجّةِ العنفِ والقتلِ والتهجيرِ ورفضِ الآخرِ بأسمِ الدينِ بل أكثرُ بأسمِ المذهبِ، وبعد أن أصبحَ التنوعُ الديني والاثني الذي يجبُ أن يميَّز هذه المنطقةِ مصدراً للنزاعِ بدلَ أن يكونَ مصدرَ غنىً للجميعِ.

من هُنا يطرحُ السؤالُ الكبيرُ عن البحثِ في إعادةِ تأسيسِ العيشِ المشتركِ وبأي شروطٍ ويُطرحُ تساؤلٌ مشروعٌ عن إمكانيةِ إرساءِ قواعَد مشرقٍ جديدٍ “مشرقُ العيشِ معاً ” حيث ينبغي للتنوعِ الدينِي والاثنِي أن يشكلَ مصدرَ غنىً للجميعِ.

ويطرح تساؤل مشروع هل هناك أملٌ أو فرصةٌ متاحةٌ بعّدُ لِقيامِ مشرقٍ قادرٍ على إعادةِ الوصلِ بين مختلفِ المكوناتِ وتكوينِ النسيجِ الاجتماعِي الذي أدى إلى قيامِ ما عُرِف “بعصرِ النهضةِ العربيةِ” وقادرٌ بالتالي على أن يشكلَّ رافعة َتجددٍ وترقٍ لمجملِ العالمِ العربِي.

1 – ظروفُ وإشكالياتِ المنطقةِ الحاليةِ:

تعيشُ المنطقةُ حالياً ظروفَ توحي بان العيشَ المشتركِ يكادُ يصبحُ مستحيلاً: فأقباطُ مصرِ بعد الربيعِ العربِي عانّوا الأمرّينِ حتى أكثرَ مماّ كانوا يعانونَه سابقاً: ومسيحيو العراقِ مهجرين من بلدِهم، مقهورينَ مضطهديَ في أرواحِهِم وممتلكاتِهم، ومسيحو سوريا حالَهم كحالِ مسيحيو العراقِ، واليزيديين مطاردين ومنّكل بهم: صور سوداء لم يعرفها التاريخُ في أحلكِ ظروفِه وفي أبشعِ مراحلِه، والتكفيريين يعيثونَ في المنطقةِ قتلاً وتدميراً وتنكيلاً وتهجيراً وهم لا يقبلونَ بمن يخالفُهم الرأيَ والتصرفَ حتى ولو كانَ يفترضُ أن يكونَ من أبناءِ دينِهم فكيف فيما يتعلقُ بالآخرينَ.

يقابلُ هذا التصرفُ الهمجيُ البربريُ اللانسانيُ: طروحات بالحمايةِ إّما من قبلِ أنظمةٍ ديكتاتوريةٍ لا تقيمُ للقيّمِ الإنسانيةِ وزناً ولا مكاناً تعتمدُ القمعَ والعنفَ مع مواطنيها وسيلةً وحيدةً لفرضِ سلطتِها ولم يكن العيشُ المشتركِ في ظلِها إلا شعاراً فارغاً من أي مضمونٍ فهو يقتصرُ على مراعاةِ مظهريةٍ معينةٍ بعيدةٍ كلَّ البعدِ عن الشراكةِ الحقيقيةِ والدورِ الفعاَّلِ في الشأنِ الوطني وضمانِ الحريةِ والكرامةِ الإنسانيةِ بكل تعابيرِها. وامّا من قبلِ قوى حمايةٍ خارجيةٍ فقَدت كل قيمِها ومبادئِها تتلونُ وفَقاً لمصالحِها ولا تضعُ في حساباِتها إلا حساباتِ المكاسبِ وتحقيقِ أهدافِها ولو على حسابِ أرواحِ الأبرياءِ والمضطهدينَ والمقهورينَ.

هذا الواقعُ المقلقُ الذي وصلَ إلى حدِّ الخوفِ، يضعُ مسيحّي الشرقِ أمام أمرينِ أحلاهُما مرٌّ، إما الوقوفُ إلى جانبِ النظمِ الاستبداديةِ التي عانوا منهَا كغيرِهم من المواطنين، وذلك على أساس أنَّهم يعرفونَ حجمَ المعاناةِ وإنهم تآلفوا معه، وإمّا مواجهةُ معاناةٍ اشدُ قد تترّتبُ على نظامِ التطرفِ الدينِي. فالتطرفُ قد يستهدفُهم في عقيدتِهم وفي حريتِهم الدينيِة. وتؤسسُ هذه التخوفاتِ لمنطقٍ يقودُهم إلى العملِ بمعادلةِ قبولِ الضررِ الأقلِ لمنع ِوقوعِ الضررِ الأكبرِ. وهو منطقٌ يبررُ أو يشجعُ مسيحّي الشرقِ على إخراجِ أنفسِهم من دائرة ِالمشاركِة الطبيعيِة في انتفاضاتِ التغييرِ العربيةِ، للدخولِ في دائرةِ المشاركةِ غيرِ الطبيعيِة ولو غيِر المباشرةِ في الدفاعِ عن الأنظمةِ الاستبداديةِ.

ويُدركُ مسيحيو الشرقِ بلا شكِ أنَّ هذا المنطقِ يتناقضُ مع الأدوارِ التاريخيةِ التي قاموا بها، والتي ساهَمَت في بلورةِ الشخصيةِ العربيةِ، وفي النهضةِ العربيةِ الحديثةِ، وفي حركاتِ الاستقلالِ الوطنِي. كما يدركونَ أنه يتناقضُ أساساً مع طبائعِهم الإنسانيةِ، ومع المقوماتِ الحميمةِ لهويتِهم الثقافيةِ الدينيةِ. ويعكسُ هذا الأمرُ بوجهيه صراعاً ذاتيّاً في أعماقِ الشخصيةِ المسيحيةِ الشرقيةِ. وهو صراعٌ يفرزُ كمّاً من علاماتِ الاستفهامِ الكبيرةِ التي لا تتوفرُ إجاباتٌ جاهزة ٌعلَيها. ومن علاماتِ الاستفهامِ هذه: ماذا لو ربِحًت الأنظمةُ الاستبداديةُ المعركةَ المصيريةَ التي تخوضُها للدفاعِ عن ذاتِها؟ في هذا المجالِ فإن الإسلاميين لن يكونوا وحدهم ضحاياها. إنَّ كلَ المواطنين مسلمين ومسيحيين سيدفعونً الثمنَ.

2 – النموذجُ اللبنانيُ:

لقد كانَ لبنانُ البلدُ الوحيدُ في العالمِ لا سيما في المشرقِ العربِي حيثُ يتعايشُ العديد من العائلاتِ الروحيةِ في ظلِ نظامٍ يحترمُ هذا التنوعِ، إذ تمّكنَ اللبنانيون من ابتكارِ آليةٍ حكمٍ ديمقراطيٍ تتمثلُ فيه كل الطوائفِ والمذاهبِ بموجبِ نصوصٍ قانونيةٍ، متمايزاً في ذلك عن محيطِه الشرقِي حيث تكافحُ الأقلياتُ للحصولِ على حقوقِها.

ويَطرحُ النموذجُ اللبنانيُ نفسَهُ كحلٍ لأزماتِ التعايشِ معاَ في البلدانِ الأخرى: إن الفكرةَ اللبنانيةَ قامَت أساساً على التعايشِ بين طوائفٍ عدةٍ، في كيانٍ واحدٍ. وقد تَمكنَ اللبنانيونَ، بعدَ تجاربٍ كثيرةٍ، من ابتداعِ نظامِ سياسيٍ تعددّيٍ ديمقراطيٍ، يختلفُ عن الأنظمةِ السائدةِ في محيطِه وأيضا يتميزُ عن الأنظمةِ الديمقراطيةِ الغربيةِ إذ يسمح للمسيحيينَ والمسلمينَ أن يحكموا بعضَهم بعضاً وأن يتشاركوا في صنعِ القرارِ وفي آليةِ الحكمِ وفي تطبيقِ القوانينِ على الجميعِ. بسببِ هذهِ الخصوصيةِ اللبنانيةِ ولمصلحةِ الاستقرارِ العالمِي وليسَ فقط اللبنانِي، قالَ قداسةُ الحبر ِالأعظمِ إنَ “لبنانَ أكثرُ من بلدٍ، انَّه رسالة”. رسالةٌ ونموذجٌ عالميٌ للتعايش ِبسلامٍ بين المسيحيينَ اللبنانيينَ الذين يختلفونَ عن كل مسيحيي العالمِ والمسلمين اللبنانيين الذين يختلفونَ أيضاً عن كل مسلمي العالم. فالدولُ المحيطةُ بلبنانَ والتي تستعرُ فيها الاضطراباتُ المدمرةُ لن تتمكنَ من العيشِ بسلامٍ ما لم يشارك جميعُ فئَاتِ الشعبِ فيها بإدارةِ شؤونِ المجتمعِ وذلكَ من خلالِ اعتمادِ النموذجِ اللبنانيِ.

قد يقولُ البعضُ إنَّ التجربةَ اللبنانية َنجحت حتى سنة 1975 وسقطت بعد ذلك وهذا كلامٌ يثيرُ الالتباسَ. قد يكونُ النموذجُ اللبنانيُ يمرُّ بمراحلٍ صعبةٍ ولكنه لم يسقط، ذلك إن الشوائبَ ليست بسببِ تركيبتِه الدستورية المؤسسية بل بسببِ عدمِ التمكِن من خلقِ مفهومِ المواطنيةِ الحديثةِ القائمِ على قبولِ الآخرِ باختلافِه وتحقيقِ التناغمِ الاجتماعِي القائمِ على الوحدةِ في التنوعِ. ذلكَ أنَ السلطةَ السياسيةَ لم تتمكن بعدُ من الارتقاءِ بنظامِ الحكمِ ليتناغَمَ وروحيَةُ الميثاقِ الوطنِي. هذا فضلاً عن الفسادِ والمحسوبياتِ والمحاصصةِ.

إنَ لبنانَ مدعوٌ اليومَ أكثرُ من أيّ وقتٍ مضَى إلى تقديمِ هذا النموذجِ ليقتديَ الآخرونَ بهِ لتقتديَ دولُ المشرقِ العربيِ بهِ وهذه مسؤولية ٌأساسيةٌ تقعُ على كلِ مكوناتِه لانَ سقوطَ هذا النموذجِ لا بديل َله إلا دوامةً في العنفِ والدمارِ وقيامِ كياناتٍ جديدةٍ موقتةٍ متصارعةٍ تحملُ في طيّاتها مشاريعَ زوالِها.

وعلى جميعِ اللبنانيينَ المهتمينَ بمستقبلِ وطنِهم، لا سيَّما هؤلاءُ اللذين يرفضونَ البقاءَ مكتوفِي الأيدي في انتظارِ ما سيكونُ العملُ معاً والتفكير معاً من أجل طَيِّ صفحةِ الحروبِ بصورةٍ نهائيةٍ، ومن أجلِ مصالحةٍ وطنيةٍ قائمةٍ على العدالةِ والإنصافِ، ومن أجلِ سلمٍ أهليٍّ دائمٍ نحميه بحدقاتِ العيونِ..

فلبنانُ لا يمكنُ أن يكوَن  إلا تعددياً وديمقراطياً ووفاقياً، ومركزاً للعبادةِ لدى الجميعِ، انّهُ وطنُ الحرياتِ العامةِ وحقوقُ الإنسانِ، لبنانُ رسالةُ الشرقِ والغربِ على عكسِ ما يعيشُه العالمُ العربُّي اليومَ من حربٍ على قبولِ الآخرِ والتعدديةِ.

3 – العيشُ المشتركُ والمواطنةُ:

لكنَّ النموذجَ اللبنانيَ في تأمينِ العيشِ المشتركِ يبقى ناقصاً إذا لم يقترن بتكريسِ المواطنّةِ. كما انَّه في هذا الظرفِ العصيبِ، والمنطقةُ تواجه ُتحدياتٍ جسيمةٍ وضغوطاتٍ مقترنةً بالدعوةِ إلى فكرةِ حمايةِ الأقلياتِ سواءً من قبلِ الخارجِ أو من قبلِ أنظمةٍ مستبدةٍ سواءً كانت هذهِ الأقلياتُ دينيةً أو مذهبيةً أو قوميةً، لكنّ الحلّ ليسَ بتوفيرِ الحمايةِ: وحدَهُ مفهومُ المواطنةِ ضمنَ إطارِ العيشِ المشتركِ والوحدةِ الوطنيةِ يشكلُ حلاً واقعياً وعملياً ودائماً.

فالبُعد الحقيقيُ لإدعاءِ الحمايةِ يكمُن في الهيمنةِ على البلادِ والعبادِ، وسلبِ الحرياتِ، والسيطرةِ على خيراتِ الأرضِ. فالإنسانُ مسيحياً كان أو مسلماً، يعتمدُ على الينابيعِ الدينيةِ، وينطلقُ في مفهومِه للمواطنِة من فكرةِ تحقيقِ إنسانيتِه، وإعلانِ المساواةِ بين جميعِ المواطنينَ دونَ تفريقٍ بسببِ الدينِ أو العرقِ أو اللغةِ أو الجنسِ، وتكرّيسِ احترامِ الحرياتِ للمواطنينَ وحقوقهِم الأساسيةِ.

فالمواطنُ الذي ترتبطُ جذورُهُ بالوطنِ، ويشعرُ بأنَ هذا الوطن ُهو أرضُ آبائهِ وأجدادِه، ويحملُ هُوِّيتَه التي تعني استعدادَه الكاملَ لخدمةِ الوطنِ، والقيامُ بواجباِته تجاهَه، والدفاعِ عنهُ، وحمايتَه، حتى إذا أدّى كلُذلك إلى الاستشهادِ من أجلِه، طالما يرى نفسِهُ متساوياً في الحقوقِ والواجباتِ مع الآخرِ.

فعلاقة ُالمواطنةِ بمفهومِها الحقوقِي والقانونِي ترتبطُ ارتباطاً قوياً بمفهومِ المساواةِ في كلِ شيء، بغضِ النظرِ عن دينِه أو مذهبِه أو أثنيتِه.

والمواطنةُ تفرضُ من جهةٍ أخرى كلَّ وجوهِ التعاونِ الإنسانِي الضرورِي، فعندَما نشعرُ بأننُا مواطنونَ حقاً، ومؤمنونَ بأننَا نستظلُ تحتَ سقفِ العيشِ المشتركِ، نتقاسمُ نفسَ التناقضاتِ الموجودة ِفي المجتمعِ، عندئذٍ تتحوّلُ نظرةُ المواطنِ الإنسانِ إلى أخيهِ كإنسانٍ، ويبدأُ ليعالجَ مع نفسِهِ التناقضاتِ مثلَ: الغنى والفقرِ، القوةِ والضعفِ، العلمِ والجهلِ، إلى أن يَصَل إلى الحياةِ والموتِ، وهو في كلِّ الأحوالِ يتجهُ من حيث يجبُ، أي أن يكونَ شغلُه الشاغلُ التفتيشَ عن مصدرِ كرامةِ الإنسانِ، عن كرامةِ الحياةِ، وكرامةِ الروحِ، وكرامةِ الضميرِ، وكرامةِ الحريةِ.

من كلِ ما سبق،َ علينا ان نستنتجَ التالي: باستثناءِ النموذجِ اللبنانِي كانَ المسيحيونَ أنفسُهم يعيشونَ في كنفِ الديكتاتورياتِ الاستبداديةِ، وكانت أكثريتُهم تكتمُ التوقَ إلى ما يطمحونَ إليهِ من حريةٍ وكرامةٍ، بقبولِ الانضواءِ تحتَ أجنحةِ هذه الديكتاتورياتِ.

اليومَ، تعصفُ بوجودِهم قوى التكفيِر والاستبدادِ من كلِّ حدبٍ وصوبٍ. وهم مخيّرون: إما الشهادةُ لإنسانيتِهم، وإما تواطؤُهم ضدَّ مسيحيتِهم، وضدَّ كرامةِ الشخصِ البشريِ، والقبولِ بالذلِّ.

الحلُّ الوحيدُ لهؤلاءِ المسيحيينِ، ولقادتِهم السياسيينَ والروحيينَ، أن يبتدعوا مع مواطنيِهم الآخرين، وخصوصاً المسلمينَ، الدولةَ التي ينتظمون في كينونتِها القانونيةِ والسياسيةِ. وحدُها صناعةُ الدولةِ المدنيةِ الديمقراطيةِ، ووحدُهُ الانتماُء إلى دولةِ القانونِ هذه، ينجّيانِ المواطنينَ، كلَّ المواطنينَ، من الإهاناتِ التي تطعن ُفي كرامةِ وجودهمِ وعيشهِم.

لا خلاصَ لما تعيشُه المنطقةُ إلَّا بصناعةِ الدولةِ المدنيةِ. وحدَها تقلّمُ أظفارَ التكفيريينَ والظلاميينَ والاستبداديينَ والإلغائيينَ، من هذهِ الجهةِ أو تلكَ، وقيامُ هذه الدولةِ، مسؤوليةٌ مسيحيةٌ كما هي مسؤوليةٌ إسلاميةٌ وهي طبعاً مسؤوليةٌ إنسانيةٌ لأنَها وحدَها تحفظُ كرامةَ الإنسانِ وحريتهَ.

من هنا ضرورةُ العملِ على إعادةِ تأسيسِ العيشِ المشتركِ بشروطِ الدولةِ، بدلاً من شروط أِحزابٍ أو ميليشياتٍ طائفيةٍ وان تستعيدَ الدولةُ حقَها في احتكارِ القوةِ المسلحةِ وان تتحررَ من القيودِ التي تشلُّ عملها وهي بالضرورةُ دولةٌ مدنيةٌ، حيثُ القانونُ يسري على الجميعِ دونما تمييٍز، وحيثُ القضاء ُمستقلٌ عن السلطةِ السياسيةِ، وحيثُ يتاحُ للمواطنِ اختيارُ نظامٍ مدنيٍ لأحوالِه الشخصيةِ، حيثُ لا يُتم استخدامُ الدينِ كمآربٍ سياسيةٍ، وحيثُ لا يتعرضُ الإنسانُ لأيِ تمييزٍ امرأةٍ كانت أم رجل.

من هنا المسلمونَ والمسيحيونَ مدعووَن اليومَ لتضامنِ جهودهِم ضمنَ القوى الديمقراطيةِ في دولِ المشرقِ العربِي لإرساءِ معالِم مشرقٍ جديدٍ مشرقٍ للعيشِ معاً، حيث التنوعُ الدينيُ والاثنيُ يشكلُ مصدرَ الغنى للجميعِ.

وتبقى مسؤوليةُ المسيحيينِ في عمليةِ العيشِ المشتركِ والمواطنةِ وقيامِ الدولةِ المدنيةِ مسؤوليةً أساسيةً وتاريخيةً وهم مدعوون اليومَ أكثرَ من أيِ وقتٍ كان للمشاركةِ مع المسلمينَ لتكريسِ البعدِ التاريخيِ والحضارِي للمشرقِ، وقد لعبوا دوراً تاريخياً وطليعياً في ثقافةِ العيشِ معاً في المنطقِة وذلك بمشاركتِهم الفاعلةِ منُذ القرنِ التاسعِ عشر في إطلاقِ حيويةِ النهضةِ العربيةِ وقد واصلوا العملَ بهذا الخيارِ التاريخِي عندما طالبوا سنة 1920 بدولةِ لبنانَ الكبيرِ، وعندما رفضوا سنة 1943 استمرارَ الانتدابِ الفرنسيِ وناضلوا من اجلِ الاستقلالِ التامِ،

وكانوا بعدَ أحداثِ 1975 – 1990 أولَ المبادرينَ إلى استعادةِ العيشِ المشتركِ من خلالِ سينودس 1995 ثم الإرشاد الرسولي عامَ 1997 اللذين جدّدا الإيمانَ بلبنانَ المعنَى والدورَ والرسالةَ وكانوا مع نداءِ المطارنةِ الموارنةِ في أيلولِ 2000 أول المبادرينَ في العالمِ العربِي إلى خوضِ المعركةِ ضدَ الأنظمةِ الديكتاتوريةِ ممهدينَ بذلكَ الطريق إلى ثورةِ الأرزِ في سنة 2005 الشرارةُ الأولى للربيعِ العربي وكانوا مع المجمعِ البطريركي في سنة 2006 أولَ المنادين في العالمِ العربِي بإقامةِ الدولةِ المدنيةِ لإرساءِ العيشِ المشتركِ بشروطِ الدولةِ لا الحزبِ أو الطائفةِ.

ونحنُ واثقون أن المسيحيين سيكونوا بحجمِ هذِه المسؤوليةِ.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل