
قبل أيام، في “لقاء الكتب” بين النائب وليد جنبلاط والدكتور سمير جعجع في معراب، قدّم رئيس “القوات” إلى ضيفه كتاب “القوات اللبنانية: نشأة المقاومة المسيحية وتطوّرها” للباحث اللبناني الكندي نادر مومني، وهو صدر حديثاً عن دار “سائر المشرق”. ودوَّن جعجع عليه بضع كلمات: “للتاريخ إتجاه واحد يجب عدم تجاهله”.
وفيما الكتاب يسرد مسيرة “القوات” ويحلّلها، فإنه يؤرِّخ للبنان المعاصر. فـ”القوات” لم تتوقّف منذ تأسيسها في العام 1976 عن ملء حيِّز من الحركية السياسية لم تبلغه غالبية القوى الأخرى على المستوى الوطني. وقد نجح مومني، وهو السنّي البيروتي، في إجراء مكاشفة نادرة لتطوّر المقاومة المسيحية كعقيدة ومؤسسة، ومن مسافة أتاحت له الاحتفاظ بأكبر قدر من السِمات العلمية.
فالنصوص جاءت واضحة ومسنودة إلى مصادرها ومراجعها الأصلية. ولعلّ الأبرز هو الشهادات التي استطاع جمعها في كتابه، لمجموعة القادة واللاعبين في الصفوف الأمامية. وجدارة مومني أنه كسب ثقتهم جميعاً، على خلافاتهم واختلافاتهم، ليكونوا شهوداً على الحدث.
وفي مقدّمته المعمّقة للكتاب، يختصر البروفسور جوزف مايلا، الرئيس السابق للجامعة الكاثوليكية – باريس، فلسفة تطوّر المقاومة المسيحية في لبنان، بالقول: “قد يكون غيرَ عادلٍ وجزئياً النظر إلى الهوية السياسية التي تمثّلها “القوات اللبنانية” من الناحية الإيديولوجية.
وبالتالي، ينبغي عدم الاستهانة بالطابع “الثوري” الاحتجاجي والاجتماعي للميليشيا المسيحية. فهذه الميزة تشاطرها “القوات” مع الميليشيات الأخرى للحرب اللبنانية.
فأمام انهيار الطبقة السياسية التقليدية، وضعت الميليشيات اللبنانية جميعها مشروع إصلاح إجتماعي، وطالبت بتحقيق تنمية أكثر انسجاماً وعدلاً. وهذا يعني أنّ وصف حرب لبنان بـ»حرب المجتمع» لا يخفي الفشل المأسوي والذريع، أيْ الفشل في تحديث البلاد.
فقد أعاد مومني مختلف مراحل التحوّل السياسي للميليشيا المسيحية وحلّلها. وهذه المراحل تساعد على فَهْم اتجاهات الحركة وخياراتها وتردّدها وفشلها واستراتيجية معارضتها لسياسة النُخب المسيحية التي كانت تعتمدها سابقاً. ولكن أليس التحوّل اليوم هو مُلك هذا النظام، إلى حدّ بعيد أو قريب»؟
ينطلق مومني من الخطوط العريضة لنشوء النظام الطائفي في لبنان وأحزابه، ويتوقف عند ثلاث مراحل مرّ بها التطوّر التنظيمي لحزب الكتائب -أكبر الأطر السياسية المسيحية في لبنان قبل الحرب- من حركة شبه عسكرية على أساس المركزية في العام 1936، إلى صورة مخفّفة لها منذ العام 1942، إلى اللامركزية الديموقراطية القائمة على ثلاث وحدات تنظيمية: الميليشيا والفرع والخلية، حتى ما بعد العام الأول من الحرب، أي 1976. وقد كان لاتفاق القاهرة في العام 1969 دورٌ في تحريك الأحزاب المسيحية نحو العمل الميليشيوي.
مع اندلاع الحرب في العام 1975، بدأت التحوّلات الكبرى في الجسم المسيحي. فالمقاومة المسيحية كانت لاعباً، لكنها أيضاً كانت مادة للصراع أو ردّات الفعل. وهي خاضت حروبها مع السوريين والفلسطينيين، لكنها أحياناً وفي أمكنة أخرى ومن خلال بعض فروعها تعاونت مع هؤلاء أو هادنتهم أو صالحتهم. وهذا التباين داخل الجسم المسيحي تحوّل صراعات مكشوفة أو خفية. ومثلُ ذلك الارتباك في العلاقة مع إسرائيل والعراق في بعض المراحل.
إختلفت الرؤى بين القوى المسيحية حول دخول الجيش السوري في العام 1976. وكان الشاب بشير الجميل معارِضاً لقرار والده الشيخ بيار الجميل والرئيس كميل شمعون التعاون مع النظام السوري، مع أنّ شمعون أقرّ لاحقاً بأنه كان حذِراً في هذا الشأن. كذلك فإنّ القادة الشباب كانوا ميّالين إلى طرح الفدرالية، خلافاً للنخبة التقليدية.
وبعد حرب المئة يوم، ثمّ «عملية توحيد البندقية» (الصفرا 1980)، دعمت «القوات» استقلالها، وأعلنت أنه «للمرة الأولى منذ القرن الرابع عشر، سيكون للمقاومة المسيحية جيشٌ موحَّدٌ خاصّ بها». وبدأت «القوات» تشكّل حكومة بديلة في المناطق المسيحية، ومن أبرز وظائفها التجنيد والضرائب وإدارة الخدمات عبر اللجان الشعبية.
ومع صعود نجم المؤسّس بشير الجميل، جاءت الأحداث التي أعقبت الاجتياح الإسرائيلي دراماتيكية: بشير رئيساً ثم شهيداً في ظلّ الإرباك المسيحي في مقاربة المُعطى الإسرائيلي. ومع وصول الرئيس أمين الجميل إلى القصر، بدأ العامل الإسرائيلي يثير خلافات بينه وبين «القوات» بقيادة فادي افرام. وفي ظلّ الدعم الذي أوصل فؤاد أبو ناضر إلى القيادة، وقعت كارثة المسيحيين في الجبل، العام 1983.
مع التوغّل في تعقيدات الحرب، كانت التفسّخات المسيحية تتوالد: فصلُ جعجع من الكتائب ثم انتفاضته وإيلي حبيقة في 12 آذار 1985، وما تلاها من انتكاسات مسيحية في شرق صيدا وإقليم الخروب. وهذه الانتكاسات ما لبثت أن تحوّلت صراعاً بين قطبَي الإنتفاضة على خلفية تحميل المسؤوليات. وبعد عام، أطاح جعجع حبيقة، متعاوِناً مع الجميّل، وأسقط الإتفاق الثلاثي الذي رأى فيه جعجع محاولة لتسليم لبنان إلى سوريا.
بعد ذلك، بدأت مرحلة الصراع بين جعجع والعماد ميشال عون، مع إنهاء عهد الجميّل وتعذّر انتخاب الخلف. وينقل مومني عن الدكتور توفيق هندي، مستشار جعجع آنذاك، في مقابلة في العام 1994، أنّ جعجع أبلغ الجميّل رفضه أمرين:
– تأليف حكومة انتقالية برئاسة عون، لأنه لا يخفي عداءه لـ»القوات».
– تأليف حكومة من دون عون، لأنّ ذلك سيؤدي إلى استفزازه.
والأفضل، مثلما طالب جعجع، هو مجلس وزراء يكون فيه عون وزيراً للدفاع. وبدا أنّ الجميل تقبّل الاقتراح الثالث، لكنه أعلن حكومة عسكرية إنتقالية برئاسة عون.
وبعد ذلك، كانت حربا التحرير والإلغاء وتداعياتهما، من اتفاق الطائف، إلى اغتيال الرئيس رينيه معوض ثمّ مرحلة ما بعد الطائف وحلّ «القوات اللبنانية» ودخول جعجع السجن. وأمّا مرحلة ما بعد العام 2005، فمتروكة لجزءٍ ثانٍ.
في كتاب نادر مومني، وفي قراءة الأحداث التي وقعت، يمكن أيضاً قراءة الأحداث التي ستقع. فالمسار الذي تسلكه المقاومة المسيحية يمضي صعوداً في اتجاه واحد هو اتجاه التاريخ، كما يقول جعجع، لكنّ الطريق طويل ومتشعِّب ولا يصِل عادة إلى النهايات سوى القليل وقد يصل الذين لا يتوقّع أحدٌ وصولهم.
يقول البروفسور مايلا: «لقد أصبح مومني المحلِّل مراقباً لنموٍّ سياسي عجيب». وعلى الأرجح، لم يكتب مومني للتاريخ، بل كتب التاريخ عينه. هذا التاريخ الذي يترعرع كشجرة جذورها غارقة في تراب الذاكرة، لكنّ أغصانها تتراقص في فضاء الأيام الآتية.
