
لوبي إيراني في الولايات المتحدة؟ نعم، لا شيء يدعو للاستغراب. لا بل إنّ غياب سلطة ما، عن مسرح تشكيل مجموعة ضغط، في عاصمة الدولة الأولى في العالم، هو الاستثناء. والجمهورية الاسلامية في إيران، كدولة صاحبة مصالح، سعت منذ أعوام كثيرة إلى تشكيل وتفعيل مجموعة ضغط تابعة لها، تنشط في أروقة صناعة القرار في الولايات المتحدة. اللوبي الإيراني الحالي المتمثل “بالمجلس الوطني الإيراني – الأميركي” (NIAC – National Iranian American Council) وعلى رأسه ناشط اسمه “تريتا بارسي” (Trita Parsi)، يسعى جاهدًا أمام الرأي العام الأميركي لبثّ صورة عن الجمهورية الاسلامية بوصفها شريكاً في محاربة الإرهاب وحامية للأقليات في الشرق الأوسط.

إن “المجلس الوطني الإيراني – الأميركي”، هو وريث مجموعة الضغط الإيرانية الأولى التي أنشأها رجل الأعمال الإيراني الشهير “هوشانغ أمير أحمدي” تحت إسم “المجلس الأميركي الإيراني” (AIC – American Iranian Council). استطاع هذا الرجل نسج علاقات متينة وعميقة مع مجموعة كبيرة من المسؤولين الأميركيين، ليست “مادلين أولبرايت” أولهم، ولا “تشاك هيغل” – وزير الدفاع الأميركي الحالي – آخرهم، ويستطيع الباحث في هذا الشأن أن يكتفي بمراقبة المؤتمرات التي كان يعقدها هذا المجلس، لمعرفة نوعية الشخصيات المدعوة، ونوعية المتكلمين. أما ما يؤكّد ارتباط هذا اللوبي بمجموعات داخل النظام الإيراني، فهي مجموعة معطيات ظهرت تباعاً على مرّ السنوات، ونذكر منها ثلاثاً على سبيل المثال لا الحصر:

– ارتباط هوشانغ أمير أحمدي بإحدى المجموعات الاقتصادية التابعة للحرس الثوري، وهي مجموعة “ATIEH Group”، التي يتفرّع منها شركتي “AtiehBahar Consulting” و”AtiehAssociates Law Firm” اللتين يمتلكهما الأخوان “سياماك نامازي” و”باباك نامازي”. ويرأس “بيجان خاجيبور” شركة “AtiehBahar Consulting”، وهو ضيف دائم في المؤتمرات البحثية التي تعدّها مراكز أبحاث قريبة من النهج الذي يدعو إلى الانفتاح على إيران. وجدير بالذكر أن “سياماك نامازي” هو شريك “تريتا بارسي” في عمل مجموعة الضغط الجديدة.

(هوشانغ أمير أحمدي)
– انكشاف مجموعة من مراسلات البريد الالكتروني بين “تريتا بارسي” ووزير الخارجية الإيراني الحالي “جواد ظريف”، يتباحثان فيها بشأن السياسة الأميركية وبشأن المسؤولين المهمين وكيفية التأثير عليهم وكيفية التوجّه للرأي العام الأميركي، ويرد في المراسلات نصائح متبادلة عن كيفية مقاربة بعض الأمور الأخرى التي لها علاقة بعمل مجموعة الضغط.

(تريتا بارسي)
– خسارة “تريتا بارسي” لدعوة قضائية كان قد أقامها بحق ناشط إيراني اسمه “حسن داعي الاسلام” بتهمة التشهير. وهذا الناشط يدير موقعاً الكترونياً، يفضح فيه بالدلائل والوقائع ارتباط “المجلس الوطني الإيراني الأميركي” بالنظام في طهران. وقد حكمت المحكمة في الولايات المتحدة ببراءة حسن داعي الاسلام وغرّمت تريتا بارسي مبلغ 180000$.
تشكّل كتابات وتصريحات هذه المجموعة، مصدراً مهمّاً لجمع المعلومات بشأن الارتباطات التاريخية والمداولات التي حصلت بين النظام الإيراني وبين إسرائيل والولايات المتحدة. فلكي يستطيع هذا اللوبي الولوج إلى قلب وعقل الرأي العام الأميركي، تراه يسعى إلى إظهار العلاقة مع الإسرائيليين والأميركيين (أكان إبّأن صفقات الرهائن مقابل السلاح التي عرفت بـ”إيران كونترا”، أو من خلال التعاون إثر حربي أفغانستان 2001، والعراق 2003). صحيح أن كتابات تريتا بارسي (خاصة كتابه Treacherous Alliance) تستند بأكثريتها إلى المرجع الأهم في هذا المجال، وهو كتاب “The Iranian Triangle” للكاتب الاسرائيلي “سامويل سيغيف”، إلا أن الجهد البحثي الذي قام به مسؤول اللوبي الإيراني، يصب في الإطار عينه، ويؤكد المعلومات التي أوردها سيغيف.

مما تقدّم، ليس بالإمكان المرور مرور الكرام على مقالة تريتا بارسي الأخيرة في مجلة Foreign Policy والتي كتب في إحدى فقراتها: “بعد أيام من سقوط الموصل بيد مجاهدي الدولة الاسلامية، تحدّثت مطوّلًا إلى مسؤول إيراني رفيع المستوى، وقد أخبرني أن حتّى المرشد الأعلى، الذي يعدّ أكثر تشدداً من حكومة الرئيس حسن روحاني، يعتبر الجهادية السنية، خطراً أكبر على الجمهورية الاسلامية، من خطر الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو خائف من النفس الطائفي في المنطقة، الذي قد يؤثر على النسيج الداخلي الإيراني ويهدد أمن ووحدة الجمهورية الاسلامية”.
هذه المقالة، معطوفة على مقالات شبيهة لها، كتبها ويكتبها الناشطون الذين يدورون في فلك اللوبي الإيراني، يُفهم منها وجود سعي إيراني للدخول على خط التحالف الدولي الذي يواجه “داعش”، ولتحويل الجمهورية الاسلامية إلى شريك في ما يسمّى “الحرب على الإرهاب”. ومن هنا نستطيع فهم الخطوة الإيرانية تجاه الجيش اللبناني، التي طرح فيها صانع الحلول الإيراني الجديد في المنطقة، الجنرال علي شمخاني، مسألة تسليح الجيش اللبناني عبر هبة إيرانية، كأنّي بالإيرانيين يقولون للأميركيين “نحن مثلكم، نريد دعم الجيش اللبناني في عملية مكافحة الارهاب”.

ولا تقف حدود اللعبة الإعلامية الإيرانية هنا. فليس عن عبثٍ نشرُ صور قائد فيلق القدس – السابق؟ – قاسم سليماني في مناطق الأكراد محاطًا بجنود أكراد، وليس عن عبث انتشار مقالات كثيرة عن تسليح “حزب الله” لفرق من المسيحيين وحمايته لهم، والشراكة معهم في “محاربة الارهاب”. فإيران تريد أن تقول للغرب: “أنا حامية الأقليات المهددة في الشرق الأوسط”.
مهما كانت نتيجة هذه السياسات، فالقرار في النهاية هو للأميركي سيّد اللعبة وحامل مفاتيح المنطقة، إلّا أن ما خفي سابقًا عن نظرة الفارسي للمنطقة وشعوبها، بدأ يظهر بشكل أكثر علانية وأشد تعبيراً:
“اليهودي خصم، والعربي السني عدوّ، والمسيحي في ذمّة حمايتنا”.