
كتبت ناتالي اقليموس في “الجمهورية”: في انفجار السفارة الإيرانية استعانَ الانتحاري بدرّاجة نارية ليُفجِّر نفسَه، وخلال السَطو على إحدى المتاجر وقتلِ المواطن إيلي كفوري استعانَ مسلّحان بدرّاجة نارية. وشهريّاً تُنفَّذ أكثر من 50 عملية نشل من على الدرّاجة، ويسقط أكثر من ألف جريح ومئة قتيل سنويّاً نتيجة حوادث الدرّاجات الناريّة… بين المخالِفة، والمهرَّبة، والمسروقة، والملاحَق سائقها، أكثر من 9 آلاف و400 درّاجة نارية مخالِفة ضبَطتها قوى الأمن الداخلي حتى منتصف شهر أيلول من العام الجاري.
نقلُ العبوات المتفجّرة، ترويج المخدّرات، سلبُ المارّة، تعدَّدت استخدامات الدرّاجات النارية في لبنان وما عادت تقتَصر مخالفات الدرّاجين على المرور عكس السير، أو تجاوُز الإشارة الحمراء، أو عدم وضع خوذة. إلى حدٍّ بات التنقّل على الدرّاجة من دون لوحة تُعرِّف عنها، مشهداً مألوفاً،
وملاذاً لأصحاب السوابق ومعظم مَن بحقّه مذكّرات توقيف.
يصعب تعداد ضروب الاحتيال التي دفَع ثمنَها المواطنون نتيجة فئة من الدرّاجين الشاذين عن القانون. وما حدث مع الشابة سيبال خير دليل، على تمادي هؤلاء ووقاحتِهم، فتروي لـ«الجمهورية» ما اختبرَته منذ مدّة قصيرة: «بينما كنتُ أقف على الإشارة الضوئية في منطقة الحدث في محيط مجمّع الجامعة اللبنانية، على بعد مسافة سيارتين من شرطي السير، بلمحِ البرق عبر شابان على درّاجة نارية مسرعَين، مدَّ أحدهما يدَه من نافذة السيارة وسحَب هاتفي من يدي قبل أن يُكمِلا طريقهما يميناً في اتّجاه الضاحية».
أمّا ضياء، فقد تعرَّضت لعملية سلبٍ في وضح النهار، بينما كانت تهمّ بالصعود في السيارة مساءً قرب تقاطع «غاليري سمعان»، فتروي لـ«الجمهورية»: «كنت برفقة زوجي، اقترَبنا معاً من السيارة، وأنا أهمُّ بالصعود انتشلَ شابٌّ حقيبة يدي من على درّاجة ناريّة لا صوت لها، إلى حدٍّ لم أشعر بأنّ أحداً اقتربَ منّي، خصوصاً أنّ صاحبها تعمَّد عدمَ تشغيل المصابيح، لعدم لفتِ الانتباه».
ضبطُ ألف درّاجة شهرياً
وسط غمرة شكاوى المواطنين، لا يُخفي رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي المقدّم جوزف مسلّم خشيته من تزايد استخدام الدرّاجات النارية في الآونة الأخيرة، سواءٌ في الأحياء الشعبية أو على الأوتوسترادات، فيقول: «ضبط الدرّاجات النارية المخالفة ليس موسمياً، إنّما عمل يومي لدى مفارز السير. عام 2013 تمَّ توقيف نحو 9 آلاف و747 درّاجة، في حين أوقفنا حتى شهر أيلول من العام الجاري أكثر من 9 آلاف و408 درّاجات».
أمّا بالنسبة إلى طبيعة المخالفات التي يرتكبها الدرّاجون في لبنان، فيوضح مسَلّم أنّها قد «تبدأ من مخالفة قانون السير، مروراً بعدم تسجيل الدرّاجة، أو إخضاعها للمعاينة الميكانيكية، وصولاً إلى ارتكاب الجرائم من قتلٍ ونَشل، وترويج مخدّرات… وذلك نظراً إلى ما تتحلّى به وسيلة النقل هذه من سهولة في المخالفة وسرعة الفرار من موقع الجريمة، ومن المحاسبة».
ويضيف: «غالباً ما تكون الدرّاجات المضبوطة غير قانونية، أو وضعُ سائقِها الشخصي مشكوك في أمره، فإمّا يكون مطلوباً من العدالة، وإمّا من جماعة النشّالين أو السارقين، لذا لا نكتفي بحجز الدرّاجة بل نتأكّد أيضاً من وضع سائقها القانوني».
…وأكثر من 50 عملية نَشل
يتوقف مسَلّم عند ظاهرة النشلِ التي تستحوذ على الحيّز الأكبر من جرائم الدرّاجين، قائلاً: «جريمة النَشل من المخالفات الكبرى التي تُرتكب بالاعتماد على الدرّاجات النارية، إذ بلغَ المعدّل الشهري عام 2011، 72 عملية نشل، ليَرتفعَ إلى 92 عام 2012، ويتدنّى إلى 65 عام 2013، أمّا بالنسبة إلى سنة 2014 فقد بلغَ حتى الآن 54 عملية». في هذا السياق، لا ينكر مسَلّم أنّ اللجوء السوري أرخى بظلاله على قطاع الدرّاجات النارية، مبدياً أسفَه «لارتفاع نِسَب المخالفات، بصَرف النظر عن طبيعتها، لتبلغ معدّل الألف درّاجة مضبوطة شهرياً».
فقط 16 مفرزة سير
في وقتٍ يُثني مسَلّم على إنجازات القوى الأمنية في ضبط الدرّاجات مقارنةً مع عديدها وعتادها، لا يُخفي أنّ «مفارز السير تملك نصفَ حاجاتها، وتعمل بثلث قوّتها، فالأوضاع الأمنية أجبَرتنا على فصل عناصر من السير إلى خطة طرابلس الأمنية»، مشيراً إلى وجود «16 مفرزة سير فقط على كامل الأراضي اللبنانية وبعدد عناصر لا يُلبّي حاجاتها».
قتلى وجرحى في رسم الدرّاجين
غالباً ما تَعمدُ القوى الأمنية إلى وضع حواجز متنقّلة ضمن حملات ضبط تُنفّذها لتعقّب الدرّاجات المخالفة، فبعض الدرّاجين يستسلم، والبعض الآخر يُفضّل المناورة وتعريض حياته وحياة الآخرين من المارّة، كالحادث الذي تعرَّضَ له الفتى عيسى على مدخَل برج حمّود في اتّجاه الصالومي، فبينما كان يعبر الطريق مع والدته، فاجأتهما درّاجة بعكس السير، تنطلق بسرعة جنونية، دخلَ على إثرها ووالدته المستشفى. وبعد البحث والتدقيق تبيّنَ أن لا أوراق ثبوتية بحوزة الدرّاج.
في هذا الإطار، يُحذّر رئيس قسم الإعلام والعلاقات العامة في هيئة إدارة السير النقيب ميشال مطران، من «الفظائع التي قد يرتكبها الدرّاجون، بعدما سَجَّل العام المنصرم سقوط 1300 جريح و130 قتيل»، مشيراً إلى «أنّ 20 في المئة من حوادث السير سببُها الدرّاجات، مع العلم أنّ الدرّاجات النارية ليست من وسائل النقل الأساسية في لبنان، ولا حتى طرقُه مؤهّلة لهذا النوع من الآليات، كتخصيص مسارب ومسالك للدرّاجات، مقارنةً مع بلدان أخرى».
من جهته، يراهن مطران على أنّ تطبيق قانون السير (الصادر عام 2012) يحمل حلحلةً في ما خَصّ محدودية عديد المفارز وعتادها، قائلاً: «تدارَكَ قانون السير الجديد المسألة وأقرَّ إنشاءَ وحدة مرور، دورُها جَمع مفارز السير ضمن سلطةٍ وإدارة وإستراتيجية ورؤية موحّدة، تُعِدّ متخصّصين في خدمة مفارز السير، ولكن على رغم إقرارها، لم يتمّ إنشاؤها حتى الآن».
شراء دراجة أوفر من فك حجزها
يشكّل المرآبُ الوجهة الأساسية للدرّاجات المخالفة، حيث تُركن بعد سحبِها من الشارع، ريثما يستكمل سائقوها أوراقهم القانونية. في هذا الإطار، قصدَت «الجمهورية» أحد المرائب الكائن في سدّ البوشرية لصاحبِه مارون الحاج. أرتالٌ من الدرّاجات «عَ مَدَ عينك والنظر»، مكدّسةٌ في «البورة»، سرعان ما وصلت شحنةٌ إضافية محمَّلة بدرّاجات، بلا لوحات.
الحاج الذي يُدير المرآب، ويعمل في هذه المصلحة منذ 15 عاماً، إستدركَ بأنّ «خير المخالفات لقدّام»، فاستحدَث مرآباً ثانياً في منطقة الضبية، ويُخبر عمّا اختبرَه في هذا المجال: «منذ أعوام وعدد الدرّاجات المضبوطة إلى تزايد، ولكلّ درّاجة قصّة، سرعان ما تتوضّح بعد حضور سائقها ومعه ورقة فكّ حجز لاسترجاعها، فيدفع بدل موقف ويتسلّم درّاجته».
لا ينكر الحاج أنّ بعض «الزعران» المُخِلّين بالأمن قد يحاولون استرجاعَها بالقوّة، ولكن غالباً ما يتراجعون ويجدون أنّ استملاك درّاجة أخرى جديدة أوفر من المطالبة وفكّ الحجز عن المضبوطة»، فيُعلّق ساخراً: «شراء درّاجة اليوم بات أسهلَ من شراء علكة». ويضيف: «أمّا الدرّاجات التي يمضي على حجزها أكثر من عام من دون المطالبة بها، فتُطرَح كمجموعات ضمن المزاد العلني».
ثمانون في المئة من الدرّاجات التي تدخل مرآب الحاج غير مسجّلة، غير قانونية، وغير شرعية. وجولة في ذاك المرآب كانت كفيلة في إظهار حجم الفوضى والفلتان الذي يُهدّد أمنَ البلد بسبب غزو الدرّاجات النارية غير الشرعية. وأخطرُ من ذلك، مَن يوقف جشعَ مافيات تجّار الدرّاجات النارية التي تُدخِل إلى لبنان أضعافَ ما يتمّ ضبطه؟ ومتى تضع الدولة حدّاً لهَدر جهود أمنيّيها في تنظيم عمل بيعِ الدرّاجات وضبط استخدامها قبل مكافحتها؟