
“المقاومة لا تأخذ إذناً من أحد وحينما تأخذ إذناً من أحد لا تعد مقاومة”!! من يسمع قائل هذا القول يظن انه مقاوم عتيق أمضى دهراً يتنقّل من جبهة الى اخرى دفاعاً عن الارض والشعب!
من قرأ هذا القول ظن انه لمقاتل من أشرس المقاتلين وأعتقهم، هؤلاء الذين الذي جابهوا الرياح والثلوج العاتية في جبال اللقلوق أو عيون السيمان وتساكنوا والخطر، وحوّلوا جولات المعارك، كل جولة منها الى اسطورة في البطولة والشرف!
من سمع هذا القول من وزير الخارجية اللبناني، لوهلة ما صدّق ما سمع أو لظنّ انه سرق مقطعاً من مسرحية ملحمية ما، أو انه ما زال في أحد الصفوف الابتدائية يتلو دوره في احتفالات عيد الاستقلال، أو على الاقل لظن أن صاحب القول هو نعيم قاسم، ولن نقول السيد حسن نصرالله كي لا نظلم الاخير الى هذه الدرجة!! انه جبران باسيل ما غيره وزير التيار “الاكثر” شعبية، وزير الخارجية الاكثر “اشراقا” وعلماً وحضوراً في الدبلوماسية العاليمة!!
“فإما أن هناك قضية محقة هي تفرض وجود مقاومة وتنتهي المقاومة حين انتهاء هذه القضية وحينها لا يعود هناك مبرر لوجود هذه المقاومة أو حينما تكون هذه القضية موجودة ومعنى ذلك أن المقاومة موجودة والشعب الذي لا يقاوم يكون متخاذلاً وهذا لا يحتاج إذناً من محافل دولية، نحن نعبّر في هذه المحافل الدولية عن وضع موجود نستطيع أن نفتخر فيه حينماً يقاوم ويستمر كما هو الحال في لبنان ونستطيع أن نخجل بقسم منه عندما نرى الشعب اللبناني في أماكن أخرى لا يقاوم”!!!
جبران باسيل عندما يزور المحافل الدولية يعبّر اذن عن اعجابه بغير كارولاين بالتأكيد، يعبّر عن زهوه وفخره بـ”المقاومة”، علما أن غالبية المحافل الدولية لا تحفل برأيه ولا بمقاومته بل تدرجها علناً على لائحة المنظمات الارهابية في العالم، ولا نعلم بما يفخر باسيل أكثر بمقاومة قيام الجمهورية في لبنان بسبب تلك المقاومة لاسس الدولة القوية؟! أم يفخر أكثر بمقاومة تقتل شعباً غالبيته من الاطفال والنساء في سوريا؟! أم بمقاومة متّهمة بقتل رئيس حكومة لبناني وأبرز رموز وأبطال ثورة الارز؟! بمقاومة الـ7 آيار المجيد؟! بمقاومة “القمصان السود”؟! بمقاومة خطف جوزف صادر وغيره وغيره…؟!
لا نعرف أي فخر يتسابق على باب جبران باسيل قبل الآخر، أو لعل الفخر لم يزره يوماً فيتوسّله في أي شيء وبأي وقت؟! والسؤال الاهم، لا نعرف ما اذا كان هذا المعجزة في الدبلوماسية اللبنانية يفهم فعلاً معنى هذه الكلمة “المقاومة” بالمطلق، حتى لو كان المقصود هنا المقاتلين في “حزب الله” اذ حتى هؤلاء لم يتمكّن وزير الحقائب بالعنوة أن ينصفهم! أما من لا يقاوم فنال تأنيباً موجعاً جارحاً مدمراً لا يُحتمل من “معاليه”، اذ كشف انه يخجل بذاك “القسم” المتخاذل الذي لا يقاوم وان كان هؤلاء قلّة قليلة لا قيمة لهم تذكر في المجتمع والسياسة، لكنهم مع ذلك خيّبوا أمله بهم، اذ هو معتاد على صنف المقاوم العنيد الصنديد، أليس هو كل عمرو ابن الجبهات؟!
“نأمل أن نصبح جميعنا مقاومين بالمعنيين، بالمقاومة ضد إسرائيل والمقاومة لبناء الدولة في لبنان لكي نستطيع البقاء”! ولم يذكر “معاليه” كيف سنستطيع البقاء بوجودهم، وجود مقاومة الجمهورية ووجود وزراء يقاومون كل ما له علاقة بنظافة الكف ومناقبية العمل، وبعدما كانوا بالكاد “ياكلو خيارة صار عندن طيارة” كما قالت سيدة عجوز وهي تراقب باسيل حين دخل قريتها وكأنه يفتتح القدس، في حين لاحظت الخيبة على وجهه بعدما لاحظ أن الحشود لم تكن على قدر أحلامه، اذ لعله ظنّ أن الخراف ستُنحر تحت أقدامه والصبايا سيرقصن وسيغمى عليهن تأثراً باطلالته الرشيقة، ايها سيفخر بها اكثر اذن؟
هي خيبة مدوية أن يرى مواطن انتحار جمهوريته أمام عينيه وهو عاجز عن الحراك، أن تتبوأ شخصيات مماثلة مراكز مماثلة هي قمة انهيار الجمهورية، وبالعادة عندما تنهار الدولة ينقسم الناس، منهم من يراقب بحزن وخيبة ويرفض أن يمد يديه الى المعاجن المفتوحة على السارقين، ومنهم من يستغل كل وجع الناس وضياعهم ليعربش على ما تبقى من كرامة هذه الدولة ويضبضب خيراتها في خوابيه الفاسدة، ومنهم من يختار أصعب الاصعب أن يقاوم، نحن فعلناها.
هي تلك المقاومة الحقيقية التي أوصلت جبران باسيل وأمثاله لان يكبروا ويتحرروا من الاحتلال السوري ونظام الاسد، وليصلوا الى وصلوا عليه وطبعاً ليطعنوا في النهاية بمن أوصلهم الى سدّة الحرية، لان هذا المصطلح لا يعنيهم، يعنيهم فقط سدّة الرئاسة، الوزارة، النيابة، أي سدّة لا يهم، المهم فعل “تبؤ” المراكز وغرف ما أمكن من خيرات الدولة. هي خيبة من دون شك، اذ تبين في النهاية ان الحرية لا تليق بهم وانهم اعتادوا العبودية، اذ عادوا أسرى النظام اياه، أسرى “القاومة” اياها، أسرى ذاك المرض الجامح الذي لا يرحم، سلطة المال عشق الكراسي. لا بأس لا بأس هي كبوة وطن، غيمة لا تلبث أن تشيح اذ بعد كل عصر انحطاط يأتي حتماً عصر النهضة وحينذاك لن نعود نسمع ولا نرى تلك الظواهر تأكدوا…