إذا قمنا بمراجعة بسيطة لتاريخ “الجماعة العونيّة” يمكننا أن نستخلص الكيفيّة التي يديرون بواسطتها جماعاتهم، وذلك ينسحب على زعيمهم وكيفيّة إدارته للشؤون المختلفة، لا سيّما وقت الأزمات. فلماذا نتفاجأ اليوم من تصرّفاته؟ فكلّها حالات مرّت منذ زمن عبر وتتكرّر اليوم باختلاف الأسماء والمواقع.
فجنرال “13 تشرين” وُجِدَ قبل هذا التّاريخ بسنين، فيوم كان في قيادة ذلك اللواء الذي توقّف في سوق الغرب وترك المقاومين الشرفاء يستشهدون في ساحة بحمدون لعدم وصول الإمدادات الموعودة اليهم، وسقط الجبل وتهجّر المسيحيّون منه. وتابع في مسيرته الانهزاميّة يوم قاتل في تلك الكتيبة ضدّ القوّات في شرق صيدا، فسقطت كلّ هذه المنطقة وتهجّر المسيحيّون منها.
والأكثر من ذلك، بعدما رفض السّوريّون ترئيسه لجمهوريّتهم في لبنان، حوّل بندقيّته عليهم بغرض هزّ المسمار في الشّام، فزرع أرض لبنان مسامير وأحرقه. وما بات مفضوحًا لدى الجميع، الاتّفاق الضّمني بينه وبين السوريّين للوصول الى الرّئاسة والذي كانت أولى شروطه القضاء على المقاومة اللبنانيّة، المتمثلة بحزب “القوات اللبنانيّة” آنذاك. فكانت حربه الالغائيّة التي أدخل فيها الإخوة في صراع سرمدي، لم تنتهِ مفاعيله، حتّى بعد انقضاء عقدين ونيّف من الزّمن. وما زال طعم البنزين عالقًا في مواسير المياه الهابطة من بولونيا وضهور الشّوير، من لدن السوريّين هناك، إلى المتن الشمالي الذي كان تحت سيطرته.
وفي ذلك الـ 13 تشرين بعد أن دمّر الجمهوريّة وأعلن انّه لن يرحل، بل سيستشهد في قصر بعبدا فكان أوّل اللائذين إلى السفارة الفرنسيّة طالبًا اللجوء، وعاش في فرنسا خمسة عشر عامًا ينفّذ حكمًا بالنّفي القصريّ (نسبة إلى قصر)- الطّوعي يشحن همم الشباب المسيحي الذي كان يحلم بعودته الى لبنان على أنقاض السمّ الذي بخّه في المجتمع المسيحي ضدّ “القوّات اللبنانيّة”.
وعاد جنرال “13 تشرين” … وتابع سيرته المجيدة متبنّيًا القرار الأممي 1559 فخرج السوريّ المحتلّ فرفع شارات النّصر مع 14 آذار ويوم لم يتمكّن من قيادة هذه الحركة الاستقلاليّة الجديدة لتتبنّى حلمه الرّئاسي سرعان ما ظهرت للعيان صفقة عودته مع السوريّين، نفس الهدف منذ هذين العقدين النّيّرين في تاريخ مقاومته للمحتلّ السوري. وها هو يحتفل بعيد مار مارون شفيع طائفته في براد في سوريا، ويسارع إلى أحضان إيران وحزبها في لبنان ليقبض ثمن اتّفاقه تلك المحطّة البرتقاليّة التي تابعت نهجه ببخّ السّموم في المجتمع المسيحيّ على نفس الفئة.
ويسارع بعدها ليتبنّى إرجاع الحقّ إلى أصحابه حاملا قانون السّتين معه من الدّوحة. وأين أخذ المسيحيّين؟ إلى الشام وطهران وكوريا الشماليّة وفنزويلا وروسيا. يتبنّى عدم إسقاط الحكومة وها هو أوّل من أسقطها مع حليفه الذي طوّق جيده بورقة ذلك السادس من شباط في كنيسة مار مخائيل شفيعه.
وبعد … يوقف تشكيل حكومة كلّ لبنان ليجد وظيفة لصهره العاطل عن العمل بعد فشله في انتخابات البترون. والأكثر يسارع إلى تبنّي القانون الأورثوذوكسي ليحمل شمّاعة حقوق المسيحيّين من جديد، وبنفس الأساليب يصوّب على القوّات التي صبّت كلّ جهودها للخروج بالقانون المختلط الذي سيرضي الجميع فيما لو حلفاؤه طرحوا القوانين الموجودة في البرلمان على التّصويت، ومن بينها القانون الأورثوذوكسي المرفوض من حلفائه أوّلا.
وها هي أزمة الرّئاسة تطلّ برأسها. لا رئيس الا هو، حيث طرح نفسه ذلك التوافقي لأنّ الحزب الحليف له لم يكن قد أعلن ترشيحه بعد. واليوم سقطت صفة التوافقي عنه وصار مرشّح 8 آذار الأوحد، إلى أن تنتقل هذه الجماعات الى إعلان مرشّحها الأساسي الذي لم ينبذ ببنت شفة حول موضوع الرئاسة منذ بدايات الأزمة. وأعني هنا الحليف الأساسي لسوريا الأسد أبًا عن جدٍّ أي النائب سليمان فرنجيّة.
والتمديد الذي كان بطله بإمتياز نتيجة مقاطعته جلسات الانتخاب، ينقلب عليه بموقف شعبويّ كالعادة، لكن هذه المرّة لم تعد نافعة هذه الأساليب. فالقناع سقط، والحقيقة باتت ساطعة كالشّمس. القوّات صوّتت ضدّ الفراغ الذي يريده جنرال 13 تشرين وحزب الله لإرغام الكلّ على الدّخول في البحث عن صيغة جديدة لكيان لبنان، يكون فيها الرّئيس العتيد لأقلّ من 33.33 % أي بعد إقرار المثالثة الموعود فيه حزب الله.
إنّهم حقّا لتسويفيّون قدماء- جدد، ماذا والا … إذا كانوا ضدّ التمديد فليستقيلوا من المجلس مع من يحالفهم وليسقطوا صفة الميثاقيّة عنه، فيسقط المجلس ونذهب الى انتخابات نيابيّة جديدة حتّى لو بالقانون نفسه، هذه المرّة جنرال 13 تشرين هو الخائف من نتائج الانتخابات لأنّه على يقين بأنّ الشارع المسيحي لم يعد تحت سيطرته لأنّه تحرّر من ربقة تسويفه وخداعه له طيلة عقدين ونصف من الزمن.
الرّئاسة آتية لا محالة، والتّسويفيّون الجدد يتهالكون في البحث عن فرصة لاقتناصها كي يهجموا على القوّات اللبنانيّة ويحمّلوهم مسؤوليّة صلب المسيح. لكن هذه المرّة التّاريخ لن يرجع الى الوراء، والرّئيس القوي لا محالة آتٍ، والدّولة القادرة القويّة ستُبنى لأنّها شربت دماء الشهداء الأبرار والتّاريخ سيلفظ كلّ التسوفيين، الجدد والقدماء على السواء. فليتّعظ من يسمع.