#adsense

هكذا تحدَّت خلود الموت

حجم الخط

 

كتبت تيري رومانوس في “الجمهورية”: في الرابعة عشرة، شعَرَت خلود الوتّار قاسم، بورم خلف أُذنها اليمنى، مصحوب بألم حاد في الرأس و”تنميل” في الوجه ورؤية نقاط سوداء. وحين أخبرت الأسرة بالورم وبأوجاعها، لم يأخذوها على محمل الجدّ ظناً منهم أنها تتهرّب من المدرسة. فكتَمت آلامها وحين كان يشتدّ الوجع لدرجة الإعياء، كانت تُغلق باب غرفتها وتحاول النوم. بقيت تقاوم وحيدة وبصمت مطبق الى أن بلغت الثامنة عشرة.

نشأت خلود بين سبعة شبَّان، في مجتمع ذكوري محض حيث تربَّت بصرامة، ولم تحظَ بالإهتمام، لأنّ تركيز الأهل كان على أخوتها “الشباب”. وتقرّ خلود أنّ طفولتها لم تكن معذَّبة ولم تتعرَّض للعنف، لكنها لم تكن تلك الفتاة المدلّلة وتقول مبتسمة: “كان لدينا مدبرتا منزل وعلى الرغم من ذلك كانت أمي تُجبرني أثناء وجودي في البيت، على القيام بالأعمال المنزلية وغسل الصحون بنفسي. ولكنني لم أعتبر ذلك خطأ، لأنّ هذه القساوة جعلت عودي يشتدّ وانا ممتنّة لأهلي فلولا قساوتهم ما كنتُ لأتخطّى “قطوع” المرض بمفردي”.

حُرمت خلود من “الضهرات” ومُنعَت من الخروج برفقة أخوتها لأنها كانت جميلة ومُفعَمة بالحياة وحسب مفهوم الأهل، لن يعرف الغرباء انها مع أخوتها فتكثر الأقاويل، ما جعلها تشعر بالكبت والحرمان، وتعيش في عالم يخصها لوحدها نسجته في خيالها بالتعاون مع والدتها التي تحبها كثيراً.

في عيادة د. كنعان

حين غدت في الثامنة عشرة، ناضلت خلود كثيراً لكي يسمح لها الأهل الإلتحاق بالجامعة الأميركية، معلّلين رفضهم بأنها مُختلطة. ما اضطرها على إيهامهم بأنها مصابة بانهيار عصبي، فتوسّلت طبيب العائلة الدكتور شارل أيوب، بإقناعهم أنها ستموت إن لم تلتحق بالجامعة الأميركية، خصوصاً أنها نجحت في امتحان الدخول واستحقت مُنحة أيضاً.

وأخيراً وافقوا فانتسبَت الى كلية التمريض وكان هدفها أن تُعنى بالجرحى خلال الحرب. وبما أنّ في الجامعة أصبح لدى خلود ضمان صحي، قصَدت فوراً عيادة الدكتور جو كنعان في الجامعة الأميركية، لتسأله عن ماهية الورم وراء أذنها والذي تقطع آلامه أوصالها منذ 4 سنوات. فطمأنها بأن لا شيء خطيراً، لكنها أصرت على إجراء صورة الرنين المغناطيسي.

أظهرت الصورة ان لديها ورماً يمتد من تحت العين اليمنى وحتى منتصف العنق. فاستدعى الدكتور كنعان الأطباء بينهم البروفسور صلاح سلمان ودكتور جورج زيتون حالاً، وقرروا أخذ خزعة فوراً وطالبوا بوجود الأهل لكنها رفضت مخافة أن تنهار والدتها وحينئذ قد تفقد خلود قدرتها على المقاومة والصمود.

سحب الخزعة

أتوا بإبرة كبيرة جداً لكأنهم سيخترقوا “رقبة حصان” لضخامتها وسحبوا خزعة من العنق وفحصوها وجزموا على مسمعها انّ الورم “سرطان خطير” ولن تعيش أكثر من ثمانية أشهر. فقالت لهم لائمة: “لو أيّ فتاة أخرى سمعت ما قلتموه لتوّكم لوافتها المنية في اللحظة عينها.

وأريدكم ان تعلموا أنّ إيماني بالله مُطلق ولستم أنتم مَن يقرِّر متى أموت. بالنسبة لي قد بدأت حياتي لحظة انتمائي للجامعة ولست مستعدة للموت الآن”. فنظروا إليها نظرة شفقة فقالت لهم: “No way”.

حدّد الأطباء موعد العملية بعد 8 أشهر لأنّ هناك علاجاً يجب ان تتبعه ووصفوا لها “الإبر” لوجع الرأس فرفضتها لأنها ستسبب لها الإرتخاء والنوم فلا تستطيع حضور صفوف الجامعة التي لم تتغيّب عنها يوماً.

مع الوقت اشتدَّت الأوجاع، حتى كادت أن تفقد وعيها. فكانت تغادر الصف وترتدي ملابس الرياضة المحفوظة في خزانة الجامعة وتبدأ بالركض، حتى تُنهك قواها، فتعود الى المنزل، تستحم وتنام الى أن “يفك” ضغط الدم عن رأسها.

لم يعرف أحد من أفراد أسرتها بحقيقة مرضها ولا بمعاناتها. كانت تستمدّ قوتها من الله لتبقى واقفة على قدميها وكانت على ثقة أنها تستطيع أن تهزم مَن يحاربها وتهدّ الجبال أيضاً. بقيت على هذا المنوال تحضر صفوفاً وتركض عند الألم. ولم تستسلم لأنها تعتبر أنّ مَن يستسلم أمام المرض… ينتهي.

نّجوني عيونك

على رغم مرضها وخطورته، كانت خلود تأنس لاهتمام الأطباء بها وفهمت أنّ حرمان الأولاد من الإهتمام خطأ وتحمد الرب على انها كانت متزّنة في تصرفاتها ولم تضع نفسها في البحث عن الحنان والإهتمام خارج المنزل.

انتظرت خلود سفر الأسرة الى الخارج، وانتهزت الفرصة لتخضع للجراحة. قبل العملية، حُقنت بدواء أرخى أعصابها وعلى باب الغرفة، جاء طبيب البنج الدكتور بسام قاسم، فكتَّف يديه وأسندهما على “الشاريو” الذي كانت مستلقية عليه ونظر في عينيها ومازحها قائلاً: “رح نبَنجِك هلَّق؟” فنظرت إليه وارتاحت لعينيه الزرقاوين الجميلتين اللتين لمعتا أمامها، فأجابته: “بنّجوني عيونك”. وضحِكَت بخفر وحياء.

أذهلت ردة فعلها اللطيفة دكتور البنج واستغرب أن يُلفت لون عينيه نظرها في أصعب وأخطر لحظة في حياتها وفي غياب أهلها وهي التي وقَّعت شخصياً على أنّ العملية التي ستخضع إليها ستتسبّب لها إما بالشلل والتشوّه وإما بالموت في حال “فرط السرطان” اثناء استئصاله.

ومع توقعات الأطباء المتشائمة، قالت لهم قبل الإستسلام لتخدير دكتور بسام: Don’t worry everything is under my control “لا تقلقوا فكلّ شيء تحت سيطرتي”.

ورم مُختَلط

دامت العملية نحو تسع ساعات وفي غرفة الإنعاش وقبل أن يوقظها طبيب البنج بسّام، لاحظت خلود، أنّ الأطباء الذين أجروا لها الجراحة، يحضّون الدكتور بسّام كونه العازب الوحيد بينهم، على التقرّب من صديقتها ملكة جمال الجامعة الأميركية وقتذاك التي كانت تنتظر خروجها للإطمئنان عليها.

ومع الضمادة الضخمة التي تغطي “ثلاثة أرباع وجهها”، قالت للدكتور بسام ممازحة: “ماذا يا دكتور؟ هل بدأت تخونني منذ الآن؟” فانتفض “ناقزاً”، لأنّ خلود “وعيت” من البنج تلقائياً واستطاعت ان تتكلّم على رغم “القطب” الـ 76 في رأسها، ومع ذلك لم تسأل عن نجاح الجراحة ولا عن أوجاعها بل عنه هو. فضحك وقال لها: “هذا مُطمئن… يعني ما بكِ شي”.

وتفاجأ الأطباء ايضاً لأنها استطاعت أن تتكلم ولم تُصَب بالشلل ولا تشوّه جمالها الريّان. وذكروا في تقاريرهم أنهم لم يقعوا على مثل تلك الحالة من قبل وأدرجوها موضوعاً ليدرسه الأطباء. بعد مرور يومين على الجراحة، استأذنت خلود الأطباء لتقديم أمتحان الجامعة النهائي وكانت سنة ثانية تمريض، وبعد إلحاحها وافقوا، و”نزلت” والضمادة الضخمة الى قاعة الإمتحانات، ونجحت.

وتبيّن بعد الزراعة أنّ الورم ليس خبيثاً ولا حليماً بل نوعاً غريباً لم يعهدوه من قبل، فأطلقوا عليه تسمية ورم مُختَلط “Mixed Tumor”. وما لم يفهمه الأطباء انهم كانوا متأكدين انه ورم خبيث وقاتل و”شرير”.

وحين علمت خلود بنتيجة الزرع وأنّ الورم ليس خبيثاً وأنّ معاناتها انتهت بعد عذاب نفسي وجسدي مرير، بَكَت يومين متتاليين لأنها لم تتشوَّه ولم تُشَل ولم تَمت ولأنّ ما من أحد شعر بالجُلجلة التي مرَّت بها وما من أحد وقف الى جانبها ولربما كانت حكمة الرب أن تكون بمفردها لأنها كانت تخشى على والدتها من الانهيار فيما لو علمت انها ستموت ولكانت فقدت قوتها وعزمها على قهر المرض.

تتنهّد خلود وتقول: “تلك كانت إرادة الله التي تفوق توقعات البشر وهذا ما يجترحه الإيمان والإتكال على ربّ العالمين الذي أشتاق إليه مثلما أشتاق للحبيب وأتحّد معه أثناء الصلاة”.

خلود وبسام

علمت خلود أنّ طبيب البنج الدكتور بسام مكث الى جانبها في الليلة الأولى بعد الجراحة وعلمت أنه فعل ذلك لأن لم يكن أحد معها من أفراد أسرتها. وبعد امتثالها للشفاء، أحبت أن تعبِّر للدكاترة عن امتنانها فارسلت لكلّ واحد منهم هدية رمزية ولطبيب البنج أهدته لوحة كَتبت عليها عبارة :
“For your eyes only” موقعة باسم خلود. لكنّ الدكتور بسّام، لم يعرف مَن هي خلود التي أرسلت له اللوحة.

وحين استفسر اكتشف انها مُرسلة من بريد الجامعة، فراح يسأل عن طالبة تُدعى خلود، حتى عثر عليها في صف التمريض، فقال لها صارخاً: “أنتِ خلود التي أرسلت لي اللوحة ؟” فخافت ووقعت كتبها من بين يديها، ثم أردف قائلاً: “كيف تدعيني أبحث عنك كل هذا الوقت “دوَّختيني””. وتختم خلود كلامها قائلة: “ومنذ تلك اللحظة لم يتركني الدكتور بسّام وتزوجني وانجب مني ثلاثة ذكور هم مصطفى وعمر ومحمد علي”.

قاسم: أذهلتني شجاعتها

وفي اتصال مع الدكتور بسام قاسم، عن سبب ارتباطه وإعجابه بخلود، قال لـ”الجمهورية”: “أذهلتني شجاعتها ونضالها من أجل الحياة. واحببتُ ثقتها بنفسها ويقينها من أنها ستشفى. وأعجبت بها لأنها على رغم دقَّة حالتها وفي أخطر لحظة في حياتها، لفت نظرها شيء جميل لأنها نظرت الى المكان الصحيح ورأت كل شيء أخضر وليس أسود”. وفي شأن خطورة وضعها قال: “من جهتي، كنتُ في قرارة نفسي واثقاً أنها ستقوم بالسلامة وتشفى كلياً”.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل