
مرّ خبر استعادة القوّات العراقية المدعومة بطائرات حربية أميركية، السيطرة على مدينة بيجي حيث «أهم مصافي النفط في الشرق الأوسط»، مروراً عادياً على الرغم من استثنائيته وأهميته ومعانيه.
وربّما يكون الأمر متناسقاً مع طبيعة هذه الأيام. حيث إنّ كثافة الحوادث الجسيمة (والتاريخية) الحاصلة، قد تجيز أو تبرّر جعل ذلك الخبر المفصلي ثانوياً أمام غيره.. أمام تصريحات أوباما المستجدّة عن الأسد. وأمام مسار المفاوضات النووية مع إيران. وأمام أزمة أوكرانيا وقمّة العشرين في أستراليا وماذا فعل بوتين فيها، وهل صافح أو حكى مع الرئيس الأميركي. وأمام تصعيد بشار الأسد وتيرة جرائمه بحق السوريين بطريقة هستيرية. وأمام استمرار مواجهات عين العرب (كوباني) وأمام تطوّر الوضع اليمني وذهابه باطّراد وثقة نحو المذبحة المفتوحة. وأمام استمرار العصابات الإرهابية والعدمية والإجرامية في استهداف الجيش المصري في سيناء وفي تصوير ذلك على أنّه «فتحٌ» ربّانيّ. ثم أمام استمرار الأزمة السياسية اللبنانية على وتيرتها وحضور الإرهاب الغذائي لمنافستها على الصدارة المؤقتة.
.. أمام ذلك كله وغيره أكثر، قد يكون خبر طرد «داعش» من بيجي الاستراتيجية وملاحقته في كل محافظة صلاح الدين خبراً عادياً، يزاحم غيره اليوم لكنه يُنسى غداً أو بعده. ومع ذلك، فهو قد يكون أهم تطوّر يحصل في العراق منذ «نكبة حزيران» الماضي واعلان سقوط الموصل وانهيار الجيش العراقي على مساحة تبلغ نحو نصف الجغرافيا العراقية، باعتباره يدلّ على حقائق مغايرة لمعظم ما يُقال (أميركياً) في شأن الحرب على الإرهاب.
وللتذكير فقط: في موازاة الضخّ الهستيري الذي ولّده التراجع الأحجية لنحو 32 ألف جندي وشرطي عراقي أمام نحو 1500 من مسلحي «داعش» واعلان سقوط الموصل! تحرّكت الآلة الحربية الأميركية جوّاً وفوراً و«نجحت» في منع سقوط مدينة كركوك (النفطية أيضاً!) وردّت تلك «الجحافل» الظلامية إلى الخلف! وأمكنها ذلك من خلال غارات جوّية على مدى يومين أو ثلاثة فقط! ثمّ أمكنها بعد أيام معدودة، الانقضاض على موقع سدّ الموصل (الاستراتيجي أيضاً!) ومساعدة قوّة كردية صغيرة على تحريره وطرد «الداعشيين» منه رغم أنّ هؤلاء كانوا قادرين زعماً، على نسفه والتسبّب بكارثة بيئية فظيعة!
.. الآن تنجح القوّات العراقية مسنودة بغطاء جوّي أميركي في تحرير «أهم مصافي النفط في الشرق الأوسط» في بيجي، رغم أنّ «داعش» زعماً، كانت قادرة على نسفها والتسبّب بكارثة بيئية أفظع وأكبر!
ما الذي تعنيه تلك المعطيات غير ما تقوله حرفياً، وكيف يمكن للأميركيين أن يثبتوا مدى قدرتهم على سحق «داعش» في تلك المواقع الاستراتيجية وفي غضون أيّام قليلة، ثمّ يستمرون في إشاعة خبريات عجزهم عن الحسم السريع في الحرب ضدّ الإرهاب و«حاجتهم» إلى سنوات لذلك في عموم العراق واستطراداً في سوريا؟
الجواب الافتراضي السريع والسهل يشبه ذلك المتأنّي والصعب وهو أنّ نفط العراق أهم من دماء العراقيين. ومساومات واشنطن الإيرانية أهم من دماء السوريين. وذلك معروف ومعلوم، لكنه لم يكن مرّة موضع صلف وخبث مثلما هو الآن!