
نسمع في هذه الأيّام ، ومن على الشاشات الصفراء وصفحات الصحف المستجدية، لغة يرفضها المنطق. وتخرج من أفواه تبرهن على الإنحطاط المسيطرعلى نفوس سوداء، فكأنّها حفّار قبور يواري في التراب آخر ما بقي من آثار الكرامة، في وطن أوصله بعض أقلامه ومسؤوليه الى الذّبح على حدّ سيوف حروفهم وألسنتهم المريضة.
هؤلاء هم نماذج عن كائنات ، يظهرون على شكل بشريّين، يخترعون حوادث يأخذونها من مخيّلات معفّنة، تشبه أحلام الأرامل، وهي تأكيد سفاهة تستوجب، على الأقلّ، وِقفةً تدافع عن القيم التي اغتالها هؤلاء من دون رادع.
إنّ طموح الكثيرين من الذين يتعاطون الإعلام والسياسة عندنا هو أن يذكرهم التاريخ كأبطال شعبيّين. ولمّا لم تمكّنهم قاماتهم من بلوغ هذا المقام ، تضاعف حقدهم وسارعوا الى رشق المدى بالحصى، واحتفلوا بنصرهم المغشوش وكأنّهم حقّقوا وعداً خائباً.
لقد شهر هؤلاء سلاح الذمّ الموصول بعِقَدِهم، وهم الذين لم يرثوا مجداً أو كرامة، في وجه مرجعيّات وطنية لم تبع رجولتها وتعلّقها بالأرض والناس، لقاء وعود زائفة. وفي أوّل هذه المرجعيّات سمير جعجع. ونقل المُثَرثِرون ما اعتادوا هم عليه من إهراق ماء وجوههم على أعتاب آمريهم، ومن التمرّغ على أرجل صانعيهم المُمسكين بآذانهم الدّامية، نقلوه الى مَن حملوا همّ الوطن بنقاء، ليعبر الى فسحات الحقّ والحريّة. ولمّا لم يستطع أولئك “الآدميّون” أصحاب النيّات السوداء، أن يشوّهوا تمرّد الكبار وفروسيّة أخلاقهم وإباء وطنيّتهم، ارتدّت عليهم كذباتهم فلاذوا بالإنكسار.
أمّا الإرتجال في التعرّض للكبار، فهو عصيان لقيم الرّجولة، وكفر بمزايا النبل، وكذبة سخيفة تستجدي انفعال الضعفاء وتصفيقهم. فالكبير، كما سمير جعجع، هوالمتنكّر لبهارج الدنيا، والزّاهد بالتّصفيق، هو البحر الذي وقف الصّالحون بساحله، ولم يعكّر قدميه قليلو العقل والدّين، هو الذي ارتفعت معه الإستقامة الى مستوى الطّهر، فما عاد يبالي بطعن أو ذمّ ولا يأبه لمدح أو ثناء.
لقد استرسل حاملو الألقاب المبهبطة من سادة الشتم على الشّاشات وصفحات بعض الجرائد، في ظهوراتهم وحَلقات بطولاتهم، ووصلوا الى حدّ خروج الدمّ من وجوههم، فكأنّهم يواجهون فرساناً في ساحة القتال. كلّ ذلك لحماية قضيّة ممانعة كاذبة يدّعون أنّها حقيقة وطنيّة، والحقيقة الوطنية منها براء. والأدهى أنّ أسلوبهم التنكيلي الشتّام في التّعاطي مع خصومهم يشكّل وثيقة لوضعهم العقلي والعصبي المتدنّي والذي لا يمتّ بأدنى صلة الى المنطق والموضوعية. وكلّما “طلع” احدهم على شاشة أو أهان حبره صفحة، تحسب أنّ الشيطان يَعِظ وينطق بالأحكام.
أيّها الدجّالون، أكثر ما نتمنّى هو أن يركّب كلٌ منكم رقبة طويلة، فربّما تعدلون عن سخافاتكم وكذبكم في خُطَبكم وندواتكم. ولن نطلب سوى أن يقذف الله في صدوركم نوراً يهديكم الى الصّالحات، والله على كلّ شيء قدير.